ابن الجوزي
231
صيد الخاطر
وحدثني بعض الأصدقاء أن قوما الحقوا إلى المخزن بعض دين لهم ليستخلص ، فقال المسترشد لصاحب المخزن : خلصه لهم وخذ ما ضمنوا لنا . فأحضر ابن الرطبي « 1 » وعرض الامر عليه ، فقال : هذا أمر بظلم وما أحكم فيه ، فقال : ان السلطان قد تقدم « 2 » ، قال : ما أفعل . فأحضر قاضيا آخر فبت الحكم . فأخبر الخليفة بالحال . فقال : أما ابن الرطبي فيشكر على ما قال . وأما الآخر فيعزل . وذلك لأنه بان له ان الحق ما قاله ابن الرطبي . وكذلك ما طلبه السلطان من أن يلقب ملك الملوك . فاستفتى الفقهاء فأجازوا ذلك وامتنع من اجازته الماوردي « 3 » ، فعظم قدره عند السلطان . ومثل هذا إذا تتبع كثير . فينبغي أن يحسن القصد لطاعة الخالق وان سخط المخلوق ، فإنه يعود صاغرا ولا يسخط الخالق فإنه يسخط المخلوق فيفوت الحظان جميعا . 183 - لا تعاشر من ليس له أصل ولا شرف ينبغي للعاقل أن ينظر إلى الأصول فيمن يخالطه ويعاشره ويشاركه ويصادقه ويزوجه أو يتزوج اليه . ثم ينظر بعد ذلك في الصور ، فان صلاحها دليل على صلاح الباطن . أما الأصول فان الشيء يرجع إلى أصله . وبعيد ممن لا أصل له أن يكون فيه معنى مستحسن . وان المرأة الحسناء إذا كانت من بيت ردي فقلّ أن تكون صيّنة ، وكذلك أيضا المخالط والصديق والمباضع والمعاشر . فإياك أن تخالط الا من له أصل يخاف عليه الدنس ، فالغالب السلامة . وان وقع ذلك كان نادرا . وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه لرجل : أشر عليّ فيمن أستعمل . فقال : أما أرباب الدين فلا يريدونك ، وأما أرباب الدنيا فلا تردهم ، ولكن عليك بالأشراف « 4 » ، فإنهم يصونون شرفهم عما لا يصلح . وقد روى أبو بكر الصولي قال ، حدثني الحسين بن يحيى عن إسحاق « 5 »
--> ( 1 ) أحمد بن سلامة الفقيه الشافعي توفي ببغداد سنة 527 . ( 2 ) أي أمر . ( 3 ) علي بن محمد قاضي القضاة له الكتاب العظيم « الأحكام السلطانية » وغيره توفي سنة 450 . ( 4 ) أي الاشراف بأخلاقهم لا بأنسابهم . ( 5 ) إسحاق بن إبراهيم المصعبي مدير الشرطة ببغداد أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل .