ابن الجوزي
225
صيد الخاطر
فأبى . وقال : لا أقول ( أخوك ) أبدا . قال : فكيف تقول ضربني أخوك ؟ فرفع ، فقلت : أليس زعمت أنك لا تقول أخوك أبدا ؟ فقال : أيش هذا ؟ اختلفت جهتها في الكلام ! وهذا أدل شيء على تأملهم مواقع الكلام ، واعطائهم إياه في كل موضع حقه ، وانه ليس استرسالا ولا ترخيما . قال عثمان : واللغة هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ، والنحو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من اعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير « 1 » والتكسير وغير ذلك ليلحق من ليس من أهل اللغة أهلها . 176 - علو الهمة تدبرت أحوال الأخيار والأشرار فرأيت سبب صلاح الأخيار النظر « 2 » ، وسبب اهمال الأشرار إهمال النظر . وذاك ان العاقل ينظر فيعلم أنه لا بد له من صانع ، وان طاعته لازمة ، ويتأمل معجزات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيسلم قياده إلى الشرع ، ثم ينظر فيما يقربه اليه ، ويزلفه لديه . فإذا شق عليه إعادة العلم تأمل ثمرته فسهل ذلك ، وإذا صعب عليه قيام الليل فكذلك ، وإذا رأى مشتهى تأمل عاقبته فعلم أن اللذة تفنى والعار والاثم يبقى ، فيسهل عليه الترك . وإذا اشتهى الانتقام ممن يؤذيه ذكر ثواب الصبر وندم الغضبان على أفعاله في حال الغضب . ثم لا يزال يتأمل سرعة مرّ العمر فيغتنمه بتحصيل أفضل الفضائل فينال مناه . وأما الغافل فإنه لا يرى الا الشيء الحاضر . فمنهم من لم يتأمل في معنى المصنوع واثبات الصانع ، فجحدوا وتركوا النظر ، وجحدوا الرسل وما جاءوا به ، ونظروا إلى العاجل ، ولم يتفكروا في مبدئه ومنتهاه ، فليس عندهم من عرفان المطعم إلا الأكل . ولو تأملوا كيف أنشئ ولما ذا جعل حافظا للأبدان لعرفوا حقائق الأمور . وكذلك كل شهوة تعرض لهم لا ينظرون في عاقبتها بل في عاجل لذتها . وكم قد جنت عليهم من وقوع حد ، وقطع يد ، وفضيحة . فتعجيل اللذة يفوّت
--> ( 1 ) أي التصغير . ( 2 ) كلمة النظر هنا ، وفي مثل هذا المقام المراد بها النظر العقلي أي الفكر .