ابن الجوزي

216

صيد الخاطر

قال : لا يطلب الا بالأهوال . قيل : فاركب الأهوال . قال : العقل مانع . قيل : فما تصنع ؟ قال : سأجعل من عقلي جهلا ، وأحاول به خطرا لا ينال الا بالجهل ، وأدبر بالعقل ما لا يحفظ إلا به ، فان الخمول أخو العدم . فنظرت إلى حال هذا المسكين فإذا به قد ضيع أهم المهمات وهو جانب الآخرة ، وانتصب في طلب الولايات . فكم فتك وقتل حتى نال بعض مراده من لذات الدنيا ، ثم لم يتنعم في ذلك أكثر من ثمان سنين ، ثم اغتيل ونسي تدبير العقل فقتل ، ومضى إلى الآخرة على أقبح حال . وكان المتنبي يقول : وفي الناس من يرضى بميسور عيشه * ومركوبه رجلاه والثوب جلده ولكنّ قلبا بين جنبيّ ماله * مدى ينتهي بي في مراد أحدّه ترى جسمه يكسى شفوفا تربّه * فيختار ان يكسى دروعا تهدّه فتأملت هذا الآخر فإذا همته فيما يتعلق بالدنيا فحسب . ونظرت إلى علو همتي فرأيتها عجبا . وذلك أنني أروم من العلم ما أتيقن أني لا أصل إليه ، لأنني أحب نيل كل العلوم على اختلاف فنونها ، وأريد استقصاء كل فرد ، وهذا أمر يعجز العمر عن بعضه ، فإن عرض لي همة في فن قد بلغ منتهاه رأيته ناقصا في غيره ، فلا أعد همته تامة . مثل المحدث فاته الفقه ، والفقيه فاته علم الحديث ، فلا أرى الرضى بنقصان العلوم إلا حادثا عن نقص الهمة . ثم إني أروم نهاية العمل بالعلم ، فأتوق إلى ورع بشر ، وزهادة معروف ، وهذا مع مطالعة التصانيف ، وإفادة الخلق ومعاشرتهم بعيد . ثم إني أروم الغنى عن الخلق ، واستشرف الافضال عليهم . والاشتغال بالعلم مانع من الكسب . وقبول المنن مما تأباه الهمة العالية . ثم إني أتوق إلى طلب الأولاد ، كما أتوق إلى تحقيق التصانيف ، لبقاء