ابن الجوزي
209
صيد الخاطر
بالصحيح من غير تقليد لإمام « 1 » ، أو عمل برخصة عادة من القوم ، واستثقالا للاستفتاء . ونرى خلقا يحافظون على صلاة الرغائب ويتوانون عن الفرائض . وكثيرا من المتصوفين لا يستوحشون من ظلم الناس ، ثم يتصدقون على الفقراء . وربما توانوا عن إخراج الزكاة ، وتكاسلوا باستعمال التأويلات فيها . ثم إذا حضر أحدهم مجلس وعظ بكى كأنه يصانع بتلك الحال . ومنهم من يخرج بعض الزكاة مصانعة عما لم يخرجه . ومنهم من يعلم أن أصل ماله حرام ، ويصعب عليه فراقه للعادة . وفيهم من يحلف بالطلاق ويحنث ويرى الفراق صعبا ، فربما تأول وربما تكاسل عن التأويل اتكالا على عفو اللّه تعالى ، ووعدا من النفس بالتوبة . ومنهم من يرى أن استعمال الشرع ربما كان سببا في تضييق معاشه ، وقد ألف التفسح فلا يسهل عليه فراق ما قد ألف . والعادات في الجملة هي المهلكة . ولقد حضر عندي رجل شيخ ابن ثمانين سنة ، فاشتريت منه دكانا وعقدت معه العقد ، فلما افترقنا غدر بعد أيام ، فطلبت منه الحضور عند الحاكم فأبى ، فأحضرته فحلف اليمين الغموس أنه ما بعته ، فقلت ما تدور عليه السّنة ، وأخذ يبرطل لمن يحول بيني وبينه من الظّلمة ، فرأيت من العوام من قد غلبت عليه العادات فلا يلتفت معها إلى قول فقيه ، يقول : هذا ما قبض الثمن فكيف يصح البيع ؟ وآخر يقول : كيف يجوز لك أن تأخذ دكانه بغير رضاه ؟ وآخر يقول : يجب عليك أن تقيله البيع . فلما لم أقله أخذ هو وأقاربه يأخذون عرضي ، ورأى أنه يحامي عن ملكه ، ثم سعى بي إلى السلطان سعاية يحرض فيها من الكذب ما أدهشني ، وبرطل « 2 » مالا لخلق من الظلمة ؛ فبالغوا وسعوا ، الا أن اللّه تعالى
--> ( 1 ) كانت الدراهم بالوزن . والدرهم اما أن يكون صحيحا واما أن يكون قطعا فضية مكسرة من الدرهم وهي القراضة ( والكلمة مستعملة عند عوام الشام إلى الآن ) ووجه انكار المؤلف كونها فضة وهي من الأموال الربوية لا تكون مثلا الا يدا بيد . يراجع باب « ربا الفضل » في كتب الفقه ، ورسالة القياس في الشرع الاسلامي لابن تيمية . ( 2 ) البرطيل الرشوة وبرطله فتبرطل رشاه فارتشى وهو من عامي الشام الفصيح .