ابن الجوزي
206
صيد الخاطر
وأما أصل الدخل في باب العمل فمن الرهبانية ، فان خلقا من المتزهدين أخذوا عن الرهبان طريق التقشف ، ولم ينظروا في سير نبينا صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وسمعوا ذم الدنيا وما فهموا المقصود ، فاجتمع لهم الاعراض عن علم شرعنا مع سوء الفهم للمقصود ، فحدثت منهم بدع قبيحة . فأول ما ابتدأ به إبليس أنه أمرهم بالاعراض عن العلم ، فدفنوا كتبهم وغسلوها ، وألزمهم زاوية التعبد فيما زعم ، وأظهر لهم من الخزعبلات ما أوجب إقبال العوام عليهم فجعل إلههم هواهم ، ولو علموا أنهم منذ دفنوا كتبهم وفارقوا العلم انطفأ مصباحهم ما فعلوا ، لكن إبليس دقيق المنقب « 1 » . وبالعلم يعلم فساد الطريقين ويهتدي إلى الأصوب . نسأل اللّه عز وجل أن لا يحرمنا إياه فإنه النور في الظلم . والأنيس في الوحدة ، والوزير عند الحادثة « 2 » . 163 - دواء البطالين أعوذ باللّه من صحبة البطالين . لقد رأيت خلقا كثيرا يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة ، ويسمون ذلك التردد خدمة ، ويطلبون الجلوس ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني ، ويتخلله غيبة . وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس ، وربما طلبه المزور وتشوق اليه واستوحش من الوحدة ، وخصوصا في أيام التهاني والأعياد ، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض ، ولا يقتصرون على الهناء والسلام بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان . فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء ، والواجب انتهابه بفعل الخير كرهت ذلك وبقيت معهم بين أمرين : إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف ، وان تقبلته منهم ضاع الزمان ، فصرت أدافع باللقا جهدي ، فإذا غلبت قصرت في الكلام لأتعجل الفراق . ثم أعددت أعمالا لا تمنع من المحادثة ، لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغا . فجعلت من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام ، وحزم الدفاتر ، فان هذه
--> ( 1 ) أي المخرز . ( 2 ) أي المعين عند المصيبة .