ابن الجوزي

202

صيد الخاطر

161 - انحراف الصوفية الجادة السليمة والطريق القويمة ، الاقتداء بصاحب الشرع والبدار إلى الاستنان به . فهو الكامل الذي لا نقص فيه فإن خلقا كثيرا انحرفوا إلى جادة الزهد وحملوا أنفسهم فوق الجهد فأقاموا في أواخر العمر ، والبدن قد نهك ، وفاتت أمور مهمة من العلم وغيره . وان أقواما انحرفوا إلى صورة العلم فبالغوا في طلبه . فأقاموا في أواخر العمر ، وقد فاتهم العمل به . فطريق المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم العلم والعمل ، والتلطف بالبدن ، كما أوصى عبد اللّه بن عمرو بن العاص وقال له : ان لنفسك عليك حقا ولزوجك عليك حقا . فهذه هي الطريق الوسطى الفضلى ، فأما اليبس المجرد ، فكم فوّت من علم لو حصّل نيل به أكثر مما نيل بالعمل ، فإن مثل العالم كرجل يعرف الطريق ، والعابد « 1 » جاهل بها ، فيمشي العابد من الفجر إلى العصر ، ويقوم العالم قبيل العصر فيلتقيان وقد سبق العالم فضل شوطه . فإن قال قائل : بين لي هذا . قلت : صورة التعبد خدمة للّه تعالى ، وذل له ، وربما لم يطلع العابد على معنى تلك الصورة ، لأنه ربما ظن أنه أهل لوجود الكرامة على يده ، وانه مستحق تقبيل يده ، أو أنه خير من كثير من الناس ، وذلك كله لقلة العلم . وأعني بالعلم فهم أصول العلم ، لا كثرة الرواية ومطالعة مسائل الخلاف ، فإذا طالع العالم الأصولي ، سبق هذا العابد بحسن خلق ، ومداراة الناس ، وتواضعه في نفسه ، وارشاده الخلق إلى اللّه تعالى ، فيعسر هذا على العابد ، وهو في ليل جهله بالحال راقد . ربما تزوج العابد ثم حمل نفسه على التجفف فحبس زوجته عن مطلوبها ولم يطلقها ، وصار كالتي « 2 » حبست الهرة فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض . ومن تأمل حالة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، رأى كاملا من الخلق ، يعطي كل ذي حق حقه ، فتارة يمزح ، وتارة يضحك ، ويداعب الأطفال ، ويسمع الشعر ، ويتكلم بالمعاريض ، ويحسن معاشرة النساء ، ويأكل ما قدر عليه وفتح له ، وان كان لذيذا

--> ( 1 ) أي العابد بلا علم ، أما العالم العابد فهو الذي جمع الخير كله ، والعبادة الصحيحة هي غاية الخلق ، فمن علم ولم يعمل كان علمه حجة عليه يوم يقوم الحساب . ( 2 ) وأصله : دخلت النار امرأة في هرة حبستها الخ . .