ابن الجوزي
189
صيد الخاطر
مقاومة البلاء فلطف بهم . إنما المحنة العظمى أن ترزق همة عالية لا تقنع منك الا بتحقيق الورع ، وتجويد الدين ، وكمال العلم ، ثم تبتلى بنفس تميل إلى المباحات ، وتدعي أنها تجمع بذلك همها ، وتشفي مرضها ، لتقبل ( مزاحة العلّة ) على تحصيل الفضائل . وهاتان الحالتان كضدين ، لأن الدنيا والآخرة ضرتان ، واللازم في هذا المقام مراعاة الواجبات ، وأن لا يفسح للنفس في مباح لا يؤمن أن يتعدى منه اعراض عن واجب ورع . المبتلي يصيح ، فلأن يبكي الطفل خير من أن يبكي الوالد . واعلم أن فتح باب المباحات ربما جر أذى كثيرا في الدين . فأوثق السّكر « 1 » قبل فتح الماء ، والبس الدرع قبل لقاء الحرب ، وتلمح عواقب ما تجني قبل تحريك اليد ، واستظهر في الحذر باجتناب ما يخاف منه وان لم يتيقن . 146 - وصايا لطالب العلم ينبغي لطالب العلم أن يكون جل همته مصروفا إلى الحفظ والإعادة . فلو صح صرف الزمان إلى ذلك كان الأولى غير أن البدن مطية ، واغذاذ السير مظنة الانقطاع . ولما كانت القوى تكلّ فتحتاج إلى تجديد ، وكان النّسخ والمطالعة والتصنيف لا بد منه ، مع أن المهم الحفظ ، وجب تقسيم الزمان على الامرين ، فيكون الحفظ في طرفي النهار وطرفي الليل ، ويوزع الباقي بين عمل بالنسخ والمطالعة ، وبين راحة للبدن وأخذ لحظّه . ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء ، فإنه متى أخذ أحدهم فوق حقه أثّر الغبن وبان أثره . وان النفس لتهرب إلى النسخ والمطالعة والتصنيف عن الإعادة والتكرار ، لأن ذلك أشهى وأخف عليها . فليحذر الراكب من إهمال الناقة ، ولا يجوز له أن يحمل عليها ما لا تطيق . ومع العدل والانصاف يتأتى كل مراد . ومن انحرف عن الجادة طالت طريقه . ومن طوى منازل في منزل أوشك أن
--> ( 1 ) سكر الماء من عامي الشام الفصيح وهو المسناة أي سد الماء