ابن الجوزي

180

صيد الخاطر

فوا حسرة لمعاقب لا يدري أن أعظم العقوبة عدم الاحساس بها . فاللّه اللّه في تجويد التوبة عساها تكفّ كفّ الجزاء . والحذر الحذر من الذنوب خصوصا ذنوب الخلوات . فإن المبارزة للّه تعالى تسقط العبد من عينه ، وأصلح ما بينك وبينه في السر وقد أصلح لك أحوال العلانية ، ولا تغترّ بستره أيها العاصي فربما يجذب عن عورتك ، ولا بحلمه فربما بغت العقاب ، وعليك بالقلق واللّجإ إليه والتضرع فإن نفع شيء فذلك ، وتقوت بالحزن ، وتمزز كأس الدمع ، واحفر بمعول الأسى قليب « 1 » قلب الهوى لعلك تنبط من الماء ما يغسل جرم جرمك « 2 » . 134 - الاستقامة ومراقبة اللّه تعالى إخواني ، اسمعوا نصيحة من قد جرب وخبر ، أنه بقدر اجلالكم للّه عز وجل يجلكم ، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم ، ولقد رأيت واللّه من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سنه ، ثم تعدى بعض الحدود فهان عند الخلق ، وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه وقوة مجاهدته . ولقد رأيت من كان يراقب اللّه عز وجل في صبوته مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم ، فعظم اللّه قدره في القلوب حتى علقته النفوس ، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير ، ورأيت من كان يرى الاستقامة إذا استقام فإذا زاغ مال اللطف عنه . ولولا عموم الستر وشمول رحمة الكريم لافتضح هؤلاء المذكورون ، غير أنه في الأغلب تأديب أو تلطف في العقاب كما قيل : ومن كان في سخطه محسنا * فكيف يكون إذا ما رضي ؟ غير أن العدل لا يحابي ، وحاكم الجزاء لا يجور ، وما يضيع عند الأمين شيء . 135 - للبلايا أوقات قد تطول أيها المذنب إذا أحسست نفحات الجزاء فلا تكثرن الضجيج ، ولا تقولن قد تبت وندمت فهل زال عني من الجزاء ما أكره فلعل توبتك ما تحققت . وان للمجازاة زمانا يمتد امتداد المرض الطويل ، فلا تنجح فيه الحيل حتى

--> ( 1 ) القليب : البئر الواسعة . ( 2 ) الجرم بالكسر الجسم والجرم بالضم الذنب .