ابن الجوزي
178
صيد الخاطر
هذه الآية : « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً » . فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم ، فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى فوجدت المخرج ، فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة اللّه تعالى ، وامتثال أمره ، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج « 1 » ، ثم أعجبه أن يكون من حيث لم يقدره المتفكر المحتال المدبر ، كما قال عز وجل : « وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ » . ثم ينبغي للمتقي أن يعلم أن اللّه عز وجل كافيه فلا يعلق قلبه بالأسباب ، فقد قال عز وجل : « وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ » . 131 - عدم إجابة الدعاء وأسبابه من العجب إلحاحك في طلب أغراضك وكلما زاد تعويقها زاد إلحاحك ، وتنسى أنها قد تمتنع لأحد أمرين ، إما لمصلحتك فربما طلبت معجل أذى ، وإما لذنوبك فإن صاحب الذنوب بعيد من الإجابة ، فنظف طرق الإجابة من أوساخ المعاصي وانظر فيما تطلبه هل هو لاصلاح دينك ، أو لمجرد هواك . فإن كان للهوى المجرد ، فاعلم أن من اللطف بك والرحمة لك تعويقه ، وأنت في إلحاحك بمثابة الطفل يطلب ما يؤذيه فيمنع رفقا به ، وان كان لصلاح دينك فربما كانت المصلحة تأخيره ، أو كان صلاح الدين بعدمه وفي الجملة تدبير الحق عز وجل لك خير من تدبيرك ، وقد يمنعك ما تهوى ابتلاء ليبلو صبرك . فأره الصبر الجميل تر عن قرب ما يسرّ ، ومتى نظفت طرق الإجابة من أدران الذنوب ، وصبرت على ما يقتضيه لك ، فكل ما يجري أصلح لك ، عطاء كان أو منعا . 132 - الاستعداد للموت وقصر الأمل يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعدا . ولا يغتر بالشباب والصحة ، فإن أقل من يموت الأشياخ ، وأكثر من يموت الشبان . ولهذا يندر من يكبر ، وقد أنشدوا : يعمّر واحد فيغر قوما * وينسى من يموت من الشباب ومن الاغترار طول الأمل ، وما من آفة أعظم منه . فإنه لولا طول الأمل
--> ( 1 ) أي مغلق ، ورتاج الباب غلقه ، ومنه قولهم ارتج على الخطيب إذا حصر وعجز عن الكلام .