ابن الجوزي

176

صيد الخاطر

128 - الدنيا فخ الدنيا فخ ، والجاهل بأول نظرة وقع ، فأما العاقل المتقي فهو يصابر المجاعة ، ويدور حول الحبّ « 1 » ، والسلامة بعيدة ، فكم من صابر واجتهد سنين ثم في آخر الأمر وقع ، فالحذر الحذر ، فقد رأينا من كان على سنن الصواب ، ثم زل على شفير القبر . 129 - مرارة الذنوب وعواقبها اعلموا اخواني ومن يقبل نصيحتي ، أن للذنوب تأثيرات قبيحة ، مراراتها تزيد على حلاوتها أضعافا مضاعفة ، والمجازي بالمرصاد ، لا يسبقه شيء ولا يفوته ، أو ليس يروى في التفسير أن كل واحد من أولاد يعقوب عليهم السلام ( وكانوا اثني عشر ) ولد له اثنا عشر ولدا . الا يوسف فإنه ولد له أحد عشر وجوزي بتلك الهمّة فنقص ولدا « 2 » ، فوا أسفا لمضروب بالسياط ما يحس بالألم ، ولمثخن بالجراح وما عنده من نفسه خبر ، ولمتقلب في عقوبات ما يدرى بها ، ولعمري إن أعظم العقوبة أن لا يدري بالعقوبة ، فوا عجبا للمغالط نفسه يرضي ربه بطاعة ويسرق معصية ، ويقول : حسنة وسيئة . ويك من كيسك تنفق ، ومن بضاعتك تهدم ، ووجه جاهك تشين ، ورب جراحة قتلت ، ورب عثرة أهلكت ، ورب فارط لا يستدرك ، ويحك انتبه لنفسك ما الذي تنتظر بأوبتك ؟ وما ذا تترقب بتوبتك ؟ المشيب ؟ فها هو أوهن العظم ، وهل بعد رحيل الأهل والأولاد والأقارب ، إلا اللحاق ؟ قدر أن ما تؤمله من الدنيا قد حصل ، فكان ما ذا ؟ اما هو عاجل فشغلك عاجلا ، ثم آخر جرعة اللذة شرقة ، وإما أن تفارق محبوبك ويفارقك فيا لها جرعة مريرة تود عندها أن لو لم تره . آه لمحجوب العقل عن التأمل ولمصدود عن الورود وهو يرى المنهل ، أما في هذه القبور نذير ؟ أما في كرور الزمان زاجر ؟ أين من ملك وبلغ المنى فيما أمل ؟

--> ( 1 ) الحب الموضوع في الفخ ، مثل بالفخ للمعصية وبالحب للذتها . ( 2 ) مر هذا المعنى وهو رجم بالغيب بلا دليل . ذلك لان يوسف عليه السلام رأى برهان ربه فكف . ولو كان المجال مجال عقوبة لكان ذنبهم فيما صنعوا به أكبر من همه الذي هم به . وانظر ما قاله المؤلف عنهم في الفصل « 111 » . ولو كان الفضل بكثرة الولد لكان اخوة يوسف أفضل من إبراهيم عليه السلام .