ابن الجوزي

13

صيد الخاطر

الكلام من فيه ، إلى أن خاف الافحام ، فابتدر القيام ونزل عن المنبر عجلا ، وقد أطار القلوب وجلا ، وترك الناس على أحر من الجمر ، يشيّعونه بالمدامع الحمر ، فمن معلن بالانتحاب ، ومن متعفّر بالتراب ، فيا له من مشهد ما أهول مرآه ، وما أسعد من رآه » . قال : « وما كنا نحسب أن متكلما في الدنيا يعطى من امتلاك النفوس والتلاعب بها ما أعطي هذا الرجل » . - 13 - وهذا وصف لمجلس آخر من مجالسه ، كتبه ابن الجوزي بقلمه ، قال : « وسألني أهل الحربية « 1 » أن أعقد عندهم مجلسا للوعظ ليلة ، فوعدتهم ليلة الجمعة سادس ربيع الأول « 2 » وانقلبت بغداد ، وعبر أهلها عبورا زاد على نصف شعبان « 3 » زيادة كبيرة ، فعبرت إلى باب البصرة « 4 » ، فدخلتها بعد المغرب ، فتلقاني أهلها بالشموع الكثيرة ، وصحبني منها خلق عظيم ، فلما خرجت من باب البصرة ، رأيت أهل الحربية قد أقبلوا بشموع لا يمكن احصاؤها ، فأضيفت إلى شموع أهل باب البصرة ، فحزرت بألف شمعة ، وما رأيت البرية الّا مملوءة بالأضواء ، وخرج . أهل المحالّ والنساء والصبيان ينظرون ، وكان الزحام كالزحام كالزحام بسوق الثلاثاء ، فدخلت الحربية وقد امتلأ الشارع وأكريت الرواشين « 5 » من وقت الضحى ، ولو قيل : ان الذين خرجوا يطلبون المجلس وسعوا في الصحراء بين باب البصرة والحربية مع المجتمعين في المجلس كانوا ثلاثمائة ألف ما أبعد القائل . - 14 - وهذا وصف مجلس ثالث : قال ابن الجوزي : « وتكلمت يوم الخميس ، خامس رجب من هذه السنة « 6 » في قصر الخليفة ، بعد العصر ، وحضر السلطان ، وأخذ الناس أماكنهم من بعد صلاة الفجر ، وأكريت دكاكين ، فكان كل موضع رجل بقيراط ، حتى أنه اكتري دكان لثمانية عشر رجلا بثمانية عشر قيراطا ثم جاء رجل فأعطاهم ستة قراريط حتى

--> ( 1 ) ضاحية في بغداد ( 2 ) أي سنة 569 ( 3 ) الاحتفال بنصف شعبان والدعاء فيه بدعة ما لها أصل . ( 4 ) وهو من أبواب بغداد . ( 5 ) جمع روشن وهو خص النافذة . ( 6 ) أي سنة 569