ابن الجوزي

153

صيد الخاطر

إنما كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه إذا لم يجدوا جاعوا ، وربما آثروا فصبروا ضرورة ، وكذلك ينبغي أن ينظر لهذه الراحلة في علفها ، فرب لقمة منعت لقمات ، فلا يعطيها ما يؤذيها بل ينظر لها في الأصلح ، ولا يلتفت لمتزهد يقول : لا أبلغها الشهوات ، فإن النظر ينبغي أن يكون في حلّ المطعم ، وأخذ ما يصلح بمقدار . ولم ينقل عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ولا أصحابه رضي اللّه عنهم ما أحدثه الموسوسون في ترك المشتهيات على الاطلاق ، إنما نقل عنهم تركها لسبب . إما للنظر في حلها ، أو للخوف من مطالبة النفس بها في كل وقت ويجوز ذلك . وينبغي له أن يجتهد في التجارة والكسب ليفضل على غيره ولا يفضل غيره عليه ، وليبلغ من ذلك غاية لا تمنعه عن العلم ، ثم ينبغي له أن يطلب الغاية في العلم ومن أقبح النقص التقليد فإن قويت همته رقته إلى أن يختار لنفسه مذهبا ولا يتمذهب لأحد « 1 » ، فإن المقلد أعمى يقوده مقلّده . ثم ينبغي أن يطلب الغاية في معرفة اللّه تعالى ومعاملته ، وفي الجملة لا يترك فضيلة يمكن تحصيلها إلا حصلها . فإن القنوع بما نزل المبارك « 2 » حالة الأراذل . فكن رجلا رجله في الثرى * وهامة همته في الثريا ولو أمكنك عبور « 3 » كل أحد من العلماء والزهاد فافعل ، فإنهم كانوا رجالا

--> ( 1 ) أي يستعد بالعلم والدأب ليصل إلى القدرة على الاجتهاد وترك التقليد لا أن يجتهد لنفسه وهو لا يعرف من عدة الاجتهاد الا حفظ الأحاديث أو معرفة مكان وجودها والبحث في كتب الرجال عن أحوال رواتها . والناس في هذه المسألة بين مفرط في اتباع المذاهب لا يفرق بين الحكم المؤيد بالنص الصريح وما هو رأي للفقيه . وبين مفرط فيها يتركها جملة ويحاول أن يأخذ من الأحاديث رأسا ولو لم يكن عنده أدوات الاخذ من الحديث . والحق ان على المسلم أن يتفقه أولا على مذهب معين ، فيعرف أحكام دينه ، ثم ينظر في دليلها ويحاول أن يتعلم ما يعين على معرفة طرق الاستدلال وقوة الدليل ثم ينظر فان رأى دليلا ثابتا أقوى من دليل مذهبه أخذ به ، وقد بين ابن عابدين في أول الحاشية ان الحنفي المقلد الذي يجد حديثا صحيحا على خلاف مذهبه عليه أن يأخذ به ( لا سيما في العبادات ) ولا يخرج في ذلك عن كونه حنفيا . واللّه قد أوجب على المسلم اتباع الكتاب والسنة ، ولم يلزمه بمذهب من المذاهب الأربعة ولا غيرها ، وما التقليد الا رخصة للعاجز عن الاخذ من الكتاب والسنة . والمتأخرون الذين قالوا باتباع أحد المذاهب الأربعة انما قالوا ذلك لما رأوا من غلبة العجز على الناس ، ولئلا يصير الأمر فوضى ، كل واحد يدعى أنه صار أبا حنيفة أو الشافعي كما هي الحال الآن . ( 2 ) أي مبارك الإبل . ( 3 ) أي سبق واجتياز .