ابن الجوزي

149

صيد الخاطر

تشاهدي أهوالا هي أعظم من هذه ، ثم أخرجي إلى الكون والتفتي اليه فإنك ترينه بالإضافة إلى السماوات والأفلاك كذرة في فلاة ، ثم جولي في الأفلاك وطوفي حول العرش وتلمحي ما في الجنان والنيران ، ثم أخرجي عن الكل والتفتي اليه ، فإنك تشاهدينه في قبضة القادر الذي لا تقف قدرته عند حد ، ثم التفتي إليك فتلمحي بدايتك ونهايتك ، وتفكري فيما قبل البداية ، وليس إلا العدم ، وفيما بعد البلى وليس إلا التراب ، فكيف يأنس بهذا الوجود من نظر بعين فكره المبدأ والمنتهى ؟ وكيف يغفل أرباب القلوب عن ذكر هذا الإله العظيم ؟ باللّه لو صحت النفوس عن سكر هواها لذابت من خوفه أو لغابت من حبّه ، غير أن الحس غلب فعظمت قدرة الخالق عند رؤية جبل ، وان الفطنة لو تلمحت المعاني لدلت القدرة عليه أوفى من دليل الجبل . سبحان من شغل أكثر الخلق بما هم فيه عما خلقوا له ! سبحانه ! 103 - وجوب الصبر على البلاء للبلايا نهايات معلومة الوقت عند اللّه عز وجل . فلا بد للمبتلى من الصبر إلى أن ينقضي أوان البلاء ، فإن تقلقل قبل الوقت لم ينفع التقلقل ، كما أن المادة إذا انحدرت إلى عضو فإنها لن ترجع ، فلا بد من الصبر إلى حين البطالة . فاستعجال زوال البلاء مع تقدير مدته لا ينفع . فالواجب الصبر وإن كان الدعاء مشروعا ولا ينفع إلا به ، إلا أنه لا ينبغي للداعي أن يستعجل بل يتعبد بالصبر والدعاء والتسليم إلى الحكيم ، ويقطع المواد التي كانت سببا للبلاء ، فان غالب البلاء أن يكون عقوبة فأما المستعجل فمزاحم للمدبر وليس هذا مقام العبودية وإنما المقام الأعلى هو الرضا والصبر هو اللازم ، والتلافي بكثرة الدعاء نعم المعتمد ، والاعتراض حرام ، والاستعجال مزاحمة للتدبير ، فافهم هذه الأشياء فإنها تهون البلاء . 104 - فوائد الصبر ليس في الوجود شيء أصعب من الصبر اما عن المحبوب أو على المكروهات ، وخصوصا إذا امتد الزمان أو وقع اليأس من الفرج ، وتلك المدة تحتاج إلى زاد يقطع به سفرها ، والزاد يتنوع من أجناس .