ابن الجوزي
147
صيد الخاطر
المتصوفة بغض الدنيا فلا يفهمون ما الذي ينبغي أن يبغض « 1 » ، ويرون زيادة الطلب للمال حرصا وشرها ، وفي الجملة انما اخترعوا بآرائهم طريقا فيها شيء من الرهبانية إذا صدقوا ، وشيء من البهرجة إذا نصبوا شباك الصيد بالتزهد فسموا ما يصل إليهم من الأرزاق فتوحا . قال ابن قتيبة في غريب الحديث في قوله صلّى اللّه عليه وسلم : واليد العليا « 2 » . قال هي المعطية . قال : فالعجب عندي من قوم يقولون هي الآخذة ، ولا أرى هؤلاء القوم إلا قوما استطابوا السؤال ؛ فهم يحتجون للدناءة ، فأما الشرائع فإنها بريئة من حالهم . وفي الحديث : ضاق البلد بمواشي إبراهيم ولوط عليهما السلام فافترقا . وكان شعيب عليه السلام كثير المال ، ثم قد ند طمعه في زيادة الاجر من موسى عليه السلام فقال : « فإن أتممت عشرا فمن عندك » « 3 » ، وكان ابن عقيل رحمه اللّه يقول ، من قال إني لا أحب الدنيا فهو كذاب ، فإن يعقوب عليه السلام لما طلب منه ابنه يامين قال : « هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ » . فقالوا : « وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ » . فقال : خذوه . وقال بعض السلف : من ادعى بغض الدنيا فهو عندي كذاب إلى أن يثبت صدقه ، فإذا ثبت صدقه فهو مجنون ، وقد نفّر جماعة من المتصوفة خلقا من الخلق عن الكسب ، وأوحشوا بينهم وبينه ، وهو دأب الأنبياء والصالحين . وإنما طلبوا طريق الراحة وجلسوا على الفتوح . فإذا شبعوا رقصوا ، فإذا انهضم الطعام أكلوا . فإن لاحت لهم حيلة على غنيّ أوجبوا عليه دعوة ، إما بسبب شكر أو بسبب استغفار ، وأطمّ الطامات ادعاؤهم أن هذا قربة ، وقد انعقد إجماع العلماء أن من ادعى الرقص قربة إلى اللّه تعالى كفر « 4 » ، فلو أنهم قالوا : « مباح » كان
--> ( 1 ) وضح هذا المعنى مرارا في الفصول السابقة . ( 2 ) اليد العليا خير من اليد السفلى . ( 3 ) أظن أن الأدب الواجب مع الأنبياء يمنع من اطلاق مثل هذه الالفاظ . ( 4 ) ذكر ذلك ابن عابدين في الحاشية ( الجزء الثالث آخر باب المرتد ) وفي المنظومة الوهبانية . ومن يستحل الرقص قالوا بكفره * ولا سيما بالدف يلهو ويزمر والمراد بالرقص ما يسمى اليوم بالذكر ، قال ذلك ابن عابدين وبينه في الحاشية أوضح بيان .