ابن الجوزي

145

صيد الخاطر

لا تريدين ألّا تتركي إلا ما هو محرم فقط أو ما لا يصح وجهه ، أو ما سمعت أن من ترك شيئا للّه عوضه اللّه خيرا منه ؟ أما لك عبرة في أقوام جمعوا فحازه سواهم ، وأملوا فما بلغوا مناهم ؟ كم من عالم جمع كتبا كثيرة ما انتفع بها ، وكم من منتفع ما عنده عشرة أجزاء ؟ كم من طيب العيش لا يملك دينارين ، وكم من ذي قناطير منغّص ؟ أما لك فطنة تتلمح أحوال من يترخص في وجه فيسلب منه من أوجه ؟ ربما نزل المرض بصاحب الدار أو ببعض من فيها فأنفق في سنته أضعاف ما ترخص في كسبه ، والمتقي معافى . فضجت النفس من لومي . وقالت : إذا لم أتعدّ واجب الشرع فما الذي تريد مني ؟ فقلت لها : أضنّ بك عن الغبن وأنت أعرف بباطن أمرك . قالت : فقل لي ما أصنع . قلت : عليك بالمراقبة لمن يراك ، ومثلي نفسك بحضرة معظّم من الخلق ، فإنك بين يدي الملك الأعظم يرى من باطنك ما لا يراه المعظّمون من ظاهرك ، فخذي بالأحوط ، واحذري من الترخص في بيع اليقين ، والتقوى بعاجل الهوى ، فان وقع الطبع مما تلقين فقولي له : مهلا ، فما انقضت مدة الإشارة ، واللّه مرشدك إلى التحقيق ، ومعينك بالتوفيق . 100 - العقوبة بالمرصاد ما زلت أسمع عن جماعة من الأكابر ، وأرباب المناصب ، أنهم يشربون الخمور ، ويفسقون ويظلمون ، ويفعلون أشياء توجب الحدود فبقيت أتفكر أقول : متى يثبت على مثل هؤلاء ما يوجب حدا ؟ فلو ثبت فمن يقيمه ؟ وأستبعد هذا في العادة لأنهم في مقام احترام لأجل مناصبهم ، فبقيت أتفكر في تعطيل الحد الواجب عليهم ، حتى رأيناهم قد نكبوا وأخذوا مرات ، ومرت عليهم العجائب ، فقوبل ظلمهم بأخذ أموالهم ، وأخذت منهم الحدود مضاعفة بعد الحبس الطويل ، والقيد الثقيل ، والذل العظيم . وفيهم من قتل بعد ملاقاة كل شدة ، فعلمت أنه ما يهمل شيء . فالحذر الحذر فان العقوبة بالمرصاد .