ابن الجوزي

143

صيد الخاطر

سمعت حاديا في طريق مكة شرفها اللّه تعالى يقول : أبكي وما يدريك ما يبكيني * أبكي حذارا أن تفارقيني وتقطعي حبلي وتهجريني فانظر رحمك اللّه ووفقك إلى تأثير هذه الأبيات عند سري أحب أن يطلع منها الجنيد على ما اطلع عليه ، ولم يصلح للاطلاع على مثلها إلا الجنيد ، فان أقواما فيهم كثافة طبع وخشونة فهم . قال بعضهم لما سمع مثل هذه : إلام يشار بهذه ؟ إن كان إلى الحق فالحق عز وجل لا يشار اليه بلفظ تأنيث . وإن كان إلى امرأة فأين الزهد ؟ ولعمري ان هذا حداء أهل الغفلة إذا سمعوا مثل هذا ، ولذلك ينهى عن سماع القصائد وأقوال أهل الغناء ، لأن الغالب حمل تلك الأبيات على مقاصد النفس ، وغلبات الهوى ومن أين لنا مثل الجنيد وسري ، وإذا وجدنا مثلهما فهما خبيران بما يسمعان . وأما اعتراض هذا الكثيف الطبع فالجواب : أن سريا لم يأخذ الإشارة من اللفظ ، ولم يقس ذلك على مطلوبه فيعتبره تأنيثا أو تذكيرا ، وانما أخذ الإشارة من المعنى ، فكأنه يخاطب حبيبه بمعنى الأبيات ، فيقول : أبكي حذارا من إعراضك وإبعادك . فهذا الحاصل له . وما التفت قط إلى تذكير ولا إلى تأنيث فافهم هذا . وما زال المتيقظون يأخذون الإشارة من هذا حتى كانوا يأخذونها من هذا الذي تقوله العامة ويلقبونه بكان وكان « 1 » فرأيت بخط ابن عقيل عن بعض مشايخه الكبار أنه سمع امرأة تنشد : غسلت له طول الليل * فركت له طول النهار خرج يعاين غيري * زلق وقع في الطين فأخذ من ذلك إشارة معناها : يا عبدي اني حسنت خلقك ، وأصلحت شأنك ، وقومت بنيتك ، فأقبلت على غيري ، فانظر عواقب خلافك لي .

--> ( 1 ) نوع معروف من الشعر العامي أي انه كالزجل والمواليا .