ابن الجوزي
128
صيد الخاطر
مثلي مع احترازه بمثل ما أرى ؟ فالعجب لك كيف عثرت بمثل الذنب الفلاني والذنب الفلاني ؟ كيف غرك زخرف تعلم بعقلك باطنه ، وترى بعين فكرك مآله ؟ كيف آثرت فانيا على باق ؟ كيف بعت بوكس « 1 » ؟ كيف اخترت لذة رقدة على انتباه معاملة ؟ آه لقد اشتريت بما بعت أحمال ندم لا يقلّها ظهر « 2 » ، وتنكيس رأس أمسى بعيد الرفع ، ودموع حزن على قبح فعل ما لمددها انقطاع ، وأقبح الكل أن يقال لك : بما ذا ؟ ومن أجل ما ذا ؟ وهذا على ما ذا ؟ يا من قلب الغرور عليه الصّنجة ، ووزن له والميزان راكب « 3 » . 80 - اتباع القرآن والسنة تأملت قوله تعالى : « فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى » قال المفسرون : هداي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وكتابي . فوجدته على الحقيقة أن كل من تبع القرآن والسنة وعمل بما فيهما ، فقد سلم من الضلال بلا شك . وارتفع في حقه شقاء الآخرة بلا شك ، إذا مات على ذلك . وكذلك شقاء الدنيا فلا يشقى أصلا . ويبين هذا قوله تعالى : « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً » . فان رأيته في شدة فله من اليقين بالجزاء ما يصير الصاب « 4 » عنده عسلا ، والا غلب طيش العيش في كل حال ، والغالب أنه لا ينزل به شدة إلا إذا انحرف عن جادة التقوى . فأما الملازم لطريق التقوى فلا آفة تطرقه ، ولا بلية تنزل به ، هذا هو الأغلب . فان ندر من تظرقه البلايا مع التقوى فذاك في الأغلب لتقدم ذنب يجازى عليه ، فان قدرنا عدم الذنب ، فذاك لا دخال ذهب صبره كير البلاء حتى يخرج تبرا أحمر فهو يرى عذوبة العذاب ، لأنه يشاهد المبتلى في البلاء الآلم . قال الشبلي : أحبك الناس لنعمائك ، وأنا أحبك لبلائك . 81 - لذة المعصية ساعة لا ينال لذة المعاصي الا سكران الغفلة ، فأما المؤمن فإنه لا يلتذ لأنه عند
--> ( 1 ) أي بغبن . ( 2 ) أي لا تحملها دابة . ( 3 ) الصنجة ما يوزن به ، والميزان راكب ، أي متعلق لا يتحرك ولا يزن . ( 4 ) الصاب : المر كالعلقم والصبر .