ابن الجوزي
117
صيد الخاطر
قال : ان اللّه تعالى يعلم جمل الأشياء ولا يعلم التفاصيل « 1 » ، ولا أدري أي شبهة وقعت في وجه هذا المسكين حتى قال هذا ، وكذلك أبو حامد حين قال : النزول التنقل ، والاستواء مماسة . وكيف أصف هذا بالفقه والزهد وهو لا يدري ما يجوز على اللّه مما لا يجوز « 2 » ، ولو أنه ترك تعظيم نفسه لرد صبيان الكتاب رأيه عليه ، فبان له صدقهم . ومن هذا الفن أبو بكر بن مقسم : فإنه عمل كتاب الاحتجاج للقراء ، فأتى فيه بفوائد ، إلا أنه أفسد علمه بإجازته أن يقرأ بما لم يقرأ به ، ثم تفاقم ذلك منه حتى أجاز ما يفسد المعنى ، مثل قوله تعالى : « فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا » . فقال : يصلح أن يقال هنا نجيا أي خلصوا كراما برءاء من السرقة ، وهذا سوء فهم للقصة ، فان الذي نسب إلى السرقة فظهرت معه ما خلص ، فما الذي ينفع خلاصهم ، وإنما سيقت القصة ليبين أنهم انفردوا وتشاوروا فيما يصنعون ، وكيف يرجعون إلى أبيهم وقد احتبس أخوهم ، فأي وجه للنجاة هاهنا ، ومن تأمل كتابه رأى فيه من هذا الجنس ما يزيد على الاحصاء أكثر من هذا الفن القبيح ، ولو أنه أصغى إلى علماء وقته ، وترك تعظيم نفسه لبان له الصواب ، غير أن اقتصار الرجل على علمه إذا مازجه نوع رؤية للنفس حبس من إدراك الصواب ، نعوذ باللّه من ذلك . 70 - إذا عملت خيرا فاحمد اللّه تأملت قوله عز وجل : « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ، قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ » . فرأيت فيه معنى عجبيا ، وهو أنهم لما وهبت لهم العقول فتدبروا بها عيب الأصنام ، وعلموا أنها لا تصلح للعبادة ، فوجهوا العبادة إلى من فطر الأشياء ، كانت هذه المعرفة ثمرة العقل الموهوب لهم الذي به باينوا البهائم ، فإذا آمنوا بفعلهم الذي ندب اليه العقل الموهوب ، فقد جهلوا قدر الموهوب ، وغفلوا عمّن وهب ، وأي شيء لهم في الثمرة والشجرة ليست ملكا لهم « 3 » ، فعلى هذا كل متعبد ومجتهد في علم وعمل إنما رأى بنور اليقظة ، وقوة
--> ( 1 ) أعوذ باللّه ، انه لا يمكن أن يقولها ، وهذه كتبه ، وهذه مباحثه ، ( فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً ) . ( 2 ) متى قال هذا ؟ وأين ؟ وإذا لم يوصف الغزالي بالفقه والزهد فمن لعمري يوصف بهما بعده ؟ ( 3 ) أي انه ما دام العقل نفسه من خلق اللّه ، وهو ملك له ، فليس لصاحب العقل شيء يدعيه لنفسه ويفتخر به .