ابن الجوزي

115

صيد الخاطر

ثمرة الحياة التي فيها اجتنيت أدلة الوحدانية ، وارتقيت عن حضيض التقليد إلى يفاع البصيرة ، واطلعت على علوم زاد بها قدري ، وتجوهرت بها نفسي ، ثم زاد غرسي لآخرتي ، وقويت تجارتي في انقاذ المباضعين من المتعلمين ، وقد قال اللّه تعالى لسيد المرسلين : « وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا » . وفي حديث جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما . قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه اللّه عز وجل الإنابة » . فيا ليتني قدرت على عمر نوح ، فان العلم كثير ، وكلما حصل منه حاصل رفع ونفع . 67 - العارفون واتخاذ الأسباب قلوب العارفين يغار عليها من الأسباب وان كانت لا تساكنها لأنها لما انفردت لمعرفتها انفرد لها بتولي أمورها ، فإذا عرضت بالأسباب محي أثر الأسباب : « وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً » . وتأمل في حال يعقوب وحذره على يوسف عليهما السلام . حتى قال : أخاف أن يأكله الذئب . فقالوا : « يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ » * فلما جاء أوان الفرج ، خرج يهوذا بالقميص فسبقته الريح « إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ » وكذلك قول يوسف عليه السلام للساقي : « اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ » فعوقب بأن لبث سبع سنين ، وإن كان يوسف عليه السلام يعلم أنه لا خلاص إلا بإذن اللّه ، وأن التعرض بالأسباب مشروع ، غير أن الغيرة أثرت في العقوبة ، ومن هذا قصة مريم عليها السلام « وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا » فغار المسبب من مساكنة الأسباب : « كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً » ومن هذا القبيل ما يروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أبى اللّه أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب » . والأسباب طريق ، ولا بد من سلوكها ، والعارف لا يساكنها غير أنه « 1 » يحلى له أمرها ما لا يحلى لغيره من أنها لا تساكن ، وربما عرفت أن مال إليها وان كان ميله لا يقبله ، غير أنه أقل الهفوات يوجب الأدب . . . . . . « 2 » لأطوفن الليلة على

--> ( 1 ) ما يلي من الكلام مضطرب ولعل تحريفا عراه من النساخ أو شيئا سقط منه ولم نهتد لوجه اصلاحه . ( 2 ) بياض في الأصل .