ابن الجوزي
114
صيد الخاطر
من الفضل لا بأعمالنا ، فإذا وقفت أنا على قدم الانكسار معترفا بذنوبي ، وقلت : أعطوني بفضلكم ، فما لي في سؤالي شيء أمتّ به ، وربما تلمح ذاك حسن عمله وكان صادا له ، فلا تكسريني أيتها النفس فيكفيني كسر علمي بي لي ، ومعي من العلم الموجب للأدب ، والاعتراف بالتقصير ، وشدة الفقر إلى ما سألت ، ويقيني بفضل المطلوب عنه ، ما ليس مع ذلك العابد ، فبارك اللّه في عبادته ، فربما كان اعترافي بتقصيري أوفى . 65 - اختلاف الأفهام قرأت من غرائب العلم ، وعجائب الحكم ، على بعض من يدعي العلم ، فرأيته يتلوى من سماع ذلك ، ولا يطلع على غوره ، ولا يشرئب إلى ما يأتي ، فصدفت عن إسماعه شيئا آخر وقلت : إنما يصلح مثل هذا لذي لب يتلقاه تلقي العطشان الماء ، ثم أخذت من هذا إشارة هي أن لو كان هذا يفهم ما جرى ، ومدحني لحسن ما صنعت لعظم قدره عندي ، ولأريته محاسن مجموعاتي وكلامي ، ولكنه لما لم أره أهلا صرفتها عنه ، وصدفت بنظري اليه ، وكانت الإشارة أن اللّه عز وجل قد صنف هذه المخلوقات فأحسن التركيب ، وأحكم الترتيب ، ثم عرضها على الألباب ، فأي لب أوغل في النظر مدح على قدر فهمه فأحبه المصنف ، وكذلك أنزل القرآن يحتوي على عجائب الحكم ، فمن فتشه بيد الفهم ، وحادثه في خلو الفكر ، استجلب رضى المتكلم به وحظي الزلفى لديه ، ومن كان ذهنه مستغرق الفهم بالحسيات ، صرف عن ذلك المقام ، قال اللّه عز وجل : « سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ » . 66 - زيادة عمر المؤمن خير دعوت يوما فقلت اللهم بلغني آمالي من العلم والعمل ، وأطل عمري لأبلغ ما أحبّ من ذلك ، فعارضني وسواس من إبليس ، فقال : ثم ما ذا ؟ أليس الموت ؟ فما الذي ينفع طول الحياة ؟ فقلت له : يا أبله . لو فهمت ما تحت سؤالي علمت أنه ليس بعبث ، أليس في كل يوم يزيد علمي ومعرفتي ، فتكثر ثمار غرسي يوم حصادي ؟ أفيسرني أنني مت منذ عشرين سنة ، لا واللّه ؟ لأني ما كنت أعرف اللّه تعالى معرفتي به اليوم وكل ذلك