ابن الجوزي

113

صيد الخاطر

فزوجه وجاء به إلى المنزل وألبسه غير خلقانه ، فلما جن الليل صاح الفقير : ثيابي ثيابي ، فقدت ما كنت أجده . فهذه عثرة في طريق هذا الفقير دلته على أنه منحرف عن الجادة ، وإنما تعتري هذه الحالات أرباب المعرفة باللّه عز وجل وأهل الانفة من الرذائل . وقد قال ابن مسعود : إذا أعجبت أحدكم امرأة فليتذكر مثانتها . ومثال هذه الحال أن العقل يغيب عند استحلاء تناول المشتهى من الطعام ، عن التفكير في تقليبه في الفم وبلعه ، ويذهل عند الجماع عن ملاقاة القاذورات لقوة غلبة الشهوة ، وينسى عند بلع الرضاب استحالته عن الغذاء ، وفي تغطية تلك الأحوال مصالح ، إلا أن أرباب اليقظة يعتريهم من غير طلب لها في غالب أحوالهم ، فينغص عليهم لذيذ العيش ، ويوجب الانفة من رذالة الهوى ، وعلى قدر النظر في العواقب يخف العشق عن قلب العاشق ، وعلى قدر جمود الذهن يقوى القلق ، قال المتنبي « 1 » : لو فكر العاشق في منتهى * حسن الذي يسبيه لم يسبه ومجموع ما أردت شرحه ، أن طباع المتيقظين تترقى فلا تقف مع شخص مستحسن ، وسبب ترقيها التفكر في نقص ذلك الشخص وعيوبه ، أو في طلب ما هو أهم منه ، وقلوب العارفين تترقى إلى معروفها ، فيعتبر في معبر الاعتبار ، فأما أهل الغفلة فجمودهم في الحالتين ، وغفلتهم عن المقامين ، يوجب أسرهم وقسرهم وحيرتهم . 64 - بين الخوف والرجاء عرض لي أمر يحتاج إلى سؤال اللّه عز وجل ودعائه ؛ فدعوت وسألت ، فأخذ بعض أهل الخير يدعو معي ، فرأيت نوعا من أثر الإجابة ، فقالت لي نفسي : هذا بسؤال ذلك العبد لا بسؤالك ، فقلت لها : أما أنا فاني أعرف من نفسي من الذنوب والتقصير ما يوجب منع الجواب ، غير أنه يجوز أن يكون أنا الذي أجيب ، لأن هذا الداعي الصالح سليم مما أظنه من نفسي ، إذ معي انكسار تقصيري ومعه الفرح بمعاملته ، وربما كان الاعتراف بالتقصير أنجح في الحوائج ، على أنني أنا وهو نطلب

--> ( 1 ) من قصيدته التي يعزي بها عضد الدولة بعمته .