محمد بن وليد الطرطوشي
99
سراج الملوك
يا بني : لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا كرم أعزّ من التّقوى ، ولا معقل أحرز من الورع ، ولا شفيع أنجح من التّوبة ، ولا لباس أجمل من العافية ، الحرص مفتاح التعب ، ومطيّة النّصب ، التدبير قبل العمل يؤمّنك من الندم ، بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد ، فطوبى لمن أخلص لله علمه وعمله ، وحبّه وبغضه ، وأخذه وتركه ، وكلامه وصمته ، وقوله وفعله . وروي عن عمر بن الخطاب « 1 » رضي الله عنه : أنه لما طعن ، دعا بلبن فشربه فخرج من طعنته ، فقال : الله أكبر ، فجعل جلساؤه يثنون عليه ، فقال : وددت أن أخرج منها كفافا « 2 » كما دخلت فيها ، لو أنّ لي اليوم ما طلعت عليه الشمس وغربت لافتديت به هول المطلع . وقال ابن عمر « 3 » : ولما حضرت الوفاة عمر ، غشي عليه فأخذت رأسه ، فوضعته في حجري ، فقال : ضع رأسي بالأرض لعلّ الله يرحمني ، فمسح خديه بالتراب وقال : ويل لعمر ، ويل لأمّه إن لم يغفر له ، فقلت : وهل فخذي والأرض إلا سواء يا أبتاه ؟ فقال : ضع رأسي بالأرض لا أمّ لك كما آمرك ، فإذا قضيت فأسرعوا بي إلى حفرتي ، فإنما هو خير تقدموني إليه ، أو شر تضعونه عن رقابكم ، ثم بكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : خبر السماء ، لا أدري إلى جنة ينطلق بي أو إلى نار . ولما حضرت عمر بن عبد العزيز « 4 » الوفاة قال : اللهم إنك أمرتني فقصّرت ، ونهيتني فعصيت ، وأنعمت عليّ فأفضلت ، فإن عفوت فقد مننت ، وإن عاقبت فما ظلمت ، ألا إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمدا عبده ورسوله ، ثم قضى نحبه رحمه الله .
--> ( 1 ) عمر بن الخطاب : عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي - أبو حفص - ثاني الخلفاء الراشدين ، وأول من لقّب بأمير المؤمنين ، ومن العشرة المبشرين بالجنة ، توفي سنة 23 ه بعد أن اغتاله أبو لؤلؤة المجوسي في المسجد . ( الأعلام : 5 / 45 ) . ( 2 ) الكفاف من الرزق : ما كان مقدار الحاجة وكفى عن الناس . ( 3 ) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب : كان كثير الاتباع لآثار رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وروى عنه الكثير من الأحاديث ، توفي سنة 73 ه . ( الأعلام : 4 / 108 ) . في ( ط ) : فأخذت رأسه فوضعتها في حجري . ( 4 ) عمر بن عبد العزيز : الخليفة الأموي العادل ، سبقت ترجمته .