محمد بن وليد الطرطوشي

93

سراج الملوك

ذلك ؟ قال : لأن شهوتك قد ملكتك ، وأنا ملكت الشهوات ، فقال : أنا الملك ابن الأملاك السادة ، أملك من البلاد كذا ، ومن الأموال والرجال كذا ، قال : أراك تفخر عليّ بما ليس في نفسك ، وإنما سبيلك أن تفخر عليّ بنفسك ، ولكن تعال نخلع ثيابنا ، ونلبس جميعا ثوبا من ماء في هذا النهر ونتكلم ، إذ يتبين الفاضل من المفضول ، فانصرف الملك خجلا . وها أنا أحكي لك أمرا أصابني ، طيّش عقلي « 1 » ، وبلبل حزمي « 2 » ، وقطع نياط قلبي « 3 » ، فلا يزال مرآة لي حتى يواريني التراب ، وذلك : أني كنت يوما بالعراق وأنا أشرب ماء ، فقال لي صاحب لي - وكان له عقل - : يا فلان لعل هذا الكوز الذي تشرب فيه الماء قد كان إنسانا يوما من الدهر ، فمات فصار ترابا ، فاتّفق للفخّاري أن أخذ تراب القبر ، وضربه خزفا وشواه بالنار ، فانتظم كوزا كما ترى ، وصار آنية يمتهن ويستخدم بعد أن كان بشرا سويا ، يأكل ويشرب ، وينعم ويلذّ ويطرب . فإذا الذي قاله من الجائزات ، فإن الإنسان إذا مات عاد ترابا كما كان في النشأة الأولى ، ثم قد يتّفق أن يحفر لحده ، ويعجن بالماء ترابه ، فيتّخذ منه آنية تمتهن في البيوت أو لبنة فتبنى في الجدار ، أو يطيّن به سطح البيت ، أو يفرش في البيوت ، فيوطأ بالأقدام ، أو يجعل طينا على الجدار ، وقد يجوز أن يغرس عند قبره شجرة ، فيستحيل تراب الإنسان شجرة وورقا وثمرة ، فترعى البهائم أوراقها ، ويأكل الإنسان ثمرها ، فينبت منها لحمه ، وينشر منها عظمه ، أو تأكل تلك الثمرة الحشرات والبهائم ، فبينما كان يقتات صار قوتا ، وبينما كان يأكل صار مأكولا ، ثم يعود في بطن الإنسان رجيعا « 4 » فيقذف في بيت الرحاضة ، أو بعرا ينبذ بالعراء ، ويجوز إذا حفر قبره أن تسفي الرياح ترابه ، فتتفرق أجزاؤه في بطون الأودية والتّلول « 5 » والوهاد « 6 » .

--> ( 1 ) طيش عقلي : ذهب به . ( 2 ) بلبل حزمي : شتته . ( 3 ) نياط القلب : عرق غليظ يصل القلب بالرئتين إذا قطع مات صاحبه . ( 4 ) الرجيع : الروث . ( 5 ) التلول والتلال : مفردها التلة وهي قطعة الأرض المرتفعة قليلا عما حولها . ( 6 ) الوهاد : الأراضي المنخفضة .