محمد بن وليد الطرطوشي
91
سراج الملوك
وقال بعض الحكماء : الدّنيا كالماء المالح ، كلّما ازداد صاحبه شربا ازداد عطشا ، وكالكأس من العسل في أسفله السمّ ، للذائق منه حلاوة عاجلة وله في أسفله الموت الذّعاف « 1 » ، وكالأحلام للنائم التي تفرحه في منامه ، فإذا استيقظ انقطع الفرح ، وكالبرق الذي يضيء قليلا ، ويذهب وشيكا ويبقى رائيه في الظلام مقيما ، وكدودة الإبريسم « 2 » التي لا يزداد الإبريسم على نفسها لفّا إلا ازدادت من الخروج بعدا ، وفيه قال القائل : كدود كدود القزّ ينسج دائما * ويهلك غمّا وسط ما هو ناسجه « 3 » ومثال من يستعجل زهرة الحياة الدنيا ويعرض عن الدار الآخرة ، مثال رجلين لقطا من الأرض حبّتي عنب ، فأمّا أحدهما فجعل يمص الحبة التذاذا بها ، ثم بلعها ، وأمّا الآخر فزرع الحبة فلما كان بعد زمان التقيا ، فأما الذي زرع الحبة وجدها قد صارت له كرما وكثرت ثمرته ، وفكّر الآخر في صنعه في الحبّة فوجدها قد صارت عذرة « 4 » ، وليس عنده منها شيء إلا الحسرة على تفريطه ، والغبطة لصاحبه . وقال وهب بن منبّه « 5 » : أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل : إن أردت أن تسكن معي في حضرة القدس ، فكن في الدنيا وحيدا فريدا ، مهموما وحشيا ، بمنزلة الطير الوحداني ، الذي يظل في الأرض الفلاة ، ويأكل من رؤوس الشجر ، ويشرب من ماء العيون ، فإذا كان الليل أوى وحده ولم يأو مع الطير استئناسا بربّه . ولبعضهم : كم للحوادث من صروف عجائب * ونوائب موصولة بنوائب « 6 » ولقد تقطّع من شبابك وانقضى * ما لست أعلمه إليك بآئب « 7 » تبغي من الدّنيا الكثير وإنّما * يكفيك منها مثل زاد الرّاكب
--> ( 1 ) الموت الذعاف : ويقال أيضا : الموت الزعاف : أي الموت السريع . ( 2 ) الإبريسم أو الإبرسم : كلمة فارسية وتعني : الحرير . ( 3 ) الكدود : الكثير الكد وبذل الجهد . ( 4 ) العذرة : الغائط أو أردأ ما يخرج من الطعام . ( 5 ) وهب بن منبه : التابعي المؤرخ ، سبقت ترجمته . ( 6 ) صروف الدهر : نوائبه وأحداثه العجيبة . ( 7 ) آئب : راجع .