محمد بن وليد الطرطوشي

73

سراج الملوك

ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا ، فقال : عش ما بدا لك سالما * في ظلّ شاهقة القصور يسعى عليك بما اشتهيت * لدى الرّواح وفي البكور وإذا النّفوس تقعقعت * في ضيق حشرجة الصّدور « 1 » فهناك تعلم موقنا * ما كنت إلا في غرور فبكى هارون ، فقال الفضل بن يحيى « 2 » : بعث إليك أمير المؤمنين لتسرّه فأحزنته ، فقال هارون : دعه ، فإنّه رآنا في ضلالة وعمى ، فكره أن يزيدنا عمى . ويروى أن سليمان بن عبد الملك « 3 » ، لبس أفخر ثيابه ، ومس أطيب طيبه ، ونظر في مرآته ، فأعجبته نفسه ، وقال : أنا الملك الشاب ، وخرج إلى الجمعة ، وقال لجاريته : كيف ترين ؟ فقالت : أنت نعم المتاع لو كنت تبقى * غير أن لا بقاء للإنسان ليس فيما بدا لنا منك عيب * عابه النّاس غير أنّك فاني فأعرض بوجهه ثم خرج ، فصعد المنبر ، وصوته يسمع آخر المسجد ، فركبته الحمّى ، فلم يزل صوته ينقص ، حتى ما سمعه من حمله ، فصلى ورجع بين اثنين يسحب رجليه ، فلما صار على فراشه ، قال لجاريته : ما الذي قلت لي في صحن الدار وأنا خارج ؟ قالت : ما رأيتك ، ولا قلت لك شيئا ، وأنّى لي بالخروج إلى صحن الدار ؟ فقال : إنّا لله وإنا إليه راجعون ، نعيت إليّ نفسي ، ثم عهد عهده ، وأوصى وصيّته ، فلم تدر عليه الجمعة الأخرى إلا وهو في قبره . ووجد مكتوبا على قصر سيف بن ذي يزن « 4 » :

--> ( 1 ) تقعقعت : اضطربت . وحشرج : غرغر عند الموت وتردد نفسه . ( 2 ) الفضل بن يحيى البرمكي : من الأسرة الفارسية التي تولى أبناؤها الوزارة في عهد الرشيد ، وهو أخو الرشيد بالرضاعة ومؤدب الأمين بن هارون الرشيد ، توفي سجينا بالرقة سنة 193 ه ، إثر ما عرف بنكبة البرامكة سنة 187 ه . ( الأعلام 5 / 151 ) . ( 3 ) سليمان بن عبد الملك : الخليفة الأموي السابع ، سبقت ترجمته . ( 4 ) سيف بن زي يزن : من ملوك العرب ، سبقت ترجمته .