محمد بن وليد الطرطوشي
65
سراج الملوك
وأنشدني بعض الأدباء « 1 » : أسعداني يا نخلتي حلوان * وارثيا لي من ريب هذا الزّمان « 2 » ولعمري لو ذقتما حرق الفر * قة أبكاكما الذي أبكاني « 3 » واعلما إن بقيتما أنّ نحسا * سوف يأتيكما فتفترقان « 4 » ولما سافر الرشيد إلى طوس « 5 » ، وعك في طريقه من حرّ أصابه ، فقال له الطبيب : لا يبرئك إلا جمّار « 6 » النّخل ، وكان نزوله قريبا من هاتين النخلتين ، فأمر بقطع جمّار إحدى النخلتين ، فلما مثل بين يديه ، أنشده بعض الجلساء هذه الأبيات لبعض الشعراء في هاتين النخلتين ، فقال الرشيد : لو سمعتهما ، ما أمرت بقطعهما . ولما مات الإسكندر « 7 » ، قال أرسطاطاليس « 8 » : أيها الملك لقد حركتنا بسكونك . وقال بعض الحكماء من أصحابه : كأنّ الملك أمس أنطق من اليوم ، وهو اليوم أوعظ منه أمس ، فنظمه أبو العتاهية « 9 » فقال : كفى حزنا بدفنك ثمّ إنّي * نفضت تراب قبرك من يديّا وكانت من حياتك لي عظات * فأنت اليوم أوعظ منك حيّا ووجد مكتوبا على قبر : « قهرنا من قهرنا ، فصرنا للناظرين عبرة »
--> ( 1 ) قائل هذه الأبيات هو الشاعر : مطيع بن إياس الكناني المتوفى سنة 166 ه . كانت له جارية يحبها فاضطر إلى بيعها ، ثم ندم على ذلك ، ولما نزل حلوان تذكرها وأنشد هذه الأبيات . ( معجم البلدان 2 / 292 ) . ( 2 ) حلوان : المقصود حلوان العراق مدينة في العراق في آخر حدود السواد مما يلي الجبال في بغداد ينتسب إليها الكثير من أهل العلم . ( معجم البلدان 2 / 290 ) . ( 3 ) حرق الفرقة : أي حرارتها ، وفي المرجع السابق وردت بلفظ ( ألم الفرقة ) . ( 4 ) وكذلك البيت الثالث ورد في معجم البلدان بلفظ : « أسعداني وأيقنا أنّ . . . » . ( 5 ) طوس : مدينة في خراسان بإيران ، خرّبها المغول ، وينسب إليها الكثير من العلماء . ( معجم البلدان 4 / 55 ) . ( 6 ) جمّار النخلة : قلبها وشحمها ، نقول : جمّر النخلة إذا قطع جمّارها . ( لسان العرب ، باب : جمر ) . ( 7 ) الإسكندر : من أشهر الفاتحين ، لقب بذي القرنين لاتساع فتوحاته ، احتل مصر وأسس الإسكندرية سنة 332 ق . م ، مات بالحمّى في بابل سنة 323 ق . م . ( المنجد في الأعلام / 45 ) . ( 8 ) أرسطوطاليس : أو أرسطو ، فيلسوف يوناني من كبار مفكري البشرية ، وهو معلم ومربي الإسكندر ، توفي سنة 322 ق . م . ( المنجد في الأعلام / 37 ) . ( 9 ) أبو العتاهية : شاعر الكوفة المعروف ، سبقت ترجمته .