محمد بن وليد الطرطوشي

63

سراج الملوك

وهزمت ألف جيش ، وافترعت « 1 » ألف بكر من بنات الملوك ، ثم صرت إلى ما ترى ، فصار التراب فراشي ، والحجارة وسادي ، فمن رآني فلا تغرّه الدنيا كما غرّتني . وقال وهب بن منبّه « 2 » : خرج عيسى بن مريم عليه السلام ، ذات يوم مع جماعة من أصحابه ، فلما ارتفع النهار مرّوا بزرع قد أمكن من الفرك « 3 » ، فقالوا : يا نبيّ الله ، إنّا جياع ، فأوحى الله إليه ، أن ائذن لهم في أقواتهم ، فأذن لهم ، فتفرقوا في الزرع ، يفركون ويأكلون ، فبينما هم كذلك ، إذ جاء صاحب الزرع ، وهو يقول : زرعي وأرضي ، ورثته عن آبائي ، بإذن من تأكلون يا هؤلاء ؟ قال : فدعا عيسى ربّه ، فبعث الله تعالى جميع من ملك تلك الأرض ، من لدن آدم إلى ساعته ، فإذا عند كل سنبلة أو ما شاء الله ، رجل أو امرأة ، كلّهم ينادون : زرعي ، وأرضي ، ورثته عن آبائي . ففزع الرجل منهم ، وكان قد بلغه أمر عيسى عليه السلام ، وهو لا يعرفه ، فلما عرفه ، قال : معذرة إليك يا رسول الله ، إنّي لم أعرفك ، زرعي ومالي لك حلال . فبكى عيسى عليه السلام ، وقال : ويحك ، هؤلاء كلّهم قد ورثوا هذه الأرض وعمروها ، ثم ارتحلوا عنها ، وأنت مرتحل عنها ، وبهم لاحق ، ليس لك أرض ولا مال . وقال أبو العتاهية « 4 » : وعظتك أجداث صمت * ونعتك أزمنة خفت « 5 » وتكلّمت عن أوجه * تبلى وعن صور سبت « 6 » وأرتك قبرك في القبو * ر وأنت حيّ لم تمت يا شامتا بمنيّتي * إنّ المنيّة لم تفت « 7 » ولربّما انقلب الشّما * ت فحلّ بالقوم الشّمت « 8 »

--> ( 1 ) افترع البكر : أزال بكارتها . ( 2 ) وهب بن منبه : التابعي المؤرخ ، سبقت ترجمته . ( 3 ) أمكن من الفرك : أي نضج وأصبح صالحا لأن يفرك فيؤكل . ( 4 ) أبو العتاهية : شاعر الكوفة المعروف ، سبقت ترجمته . ( 5 ) الأجداث : القبور . النعي : الأخبار بالموت . أزمنة خفت : أي سكنت وبعدت وانقضت . ( 6 ) صور سبت : نائمة أو بالية لا حراك فيها . ( 7 ) شمت شماتا وشماتة بفلان : أي فرح ببليته . ( 8 ) القوم الشمت : أي ربما حلت البلية بالقوم الشامتين .