محمد بن وليد الطرطوشي

491

سراج الملوك

الرومي فصاح الكفار سرورا ، وانكسرت نفوس المسلمين ، وجعل يجول بين الصفين وينادى ويقول : ثلاثة لواحد ؟ فلم يستجرئ أحد من المسلمين أن يخرج إليه ، وبقي الناس في حيرة ، فقيل للسلطان : ما لها إلا أبو الوليد بن فتحون ، فدعاه وتلطّف به ، وقال له : أما ترى ما يصنع هذا العلج ؟ قال : هو بعيني . قال : فما الحيلة فيه ؟ فقال أبو الوليد : فما ذا تريد ؟ فقال : اكف المسلمين شره . فقال : الساعة يكون ذلك إن شاء الله تعالى . فلبس قميص كتان ، واستوى على سرجه بلا سلاح ، وأخذ بيده سوطا طويل الطّرف ، وفي طرفه عقدة معقودة ، ثم برز إليه ، فعجب منه النصراني ، ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه ، فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن فتحون ، وإذا ابن فتحون متعلق برقبة الفرس ، ونزل إلى الأرض لا شيء منه في السرج ثم طفر « 1 » على سرجه ، وحمل عليه وضربه بالسوط في عنقه ، فالتوى عنقه ، فجذبه بيده من السرج ، فاقتلعه ، وجاء به يجره ، فألقاه بين يدي المستعين ، فعلم المستعين أنه كان قد أخطأ في صنعه معه ، فأكرمه وردّه إلى أحسن أحواله . أيها الأجناد : أقلّوا الخلاف على الأمراء فلا ظفر مع اختلاف ، ولا جماعة لمن اختلف عليه ، قال الله تعالى : وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [ الأنفال : 46 ] . أول الظّفر الاجتماع ، وأول الخذلان الافتراق ، وعماد الجماعة السمع والطاعة . وإنما أتي علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، يوم صفين « 2 » من العصيان ، وكان قد ظهر أهل العراق على أهل الشام ، وتضعضعت صفوف معاوية ، فأحس بالشر وأنه مغلوب ، فقال لعمرو بن العاص : اذهب فخذ لنا الأمان من ابن عمك - يعنى عليا - فأدار عمرو الحيلة ، فأمرهم أن يرفعوا المصاحف في أطراف الرماح ، وينادون : ندعوكم إلى كتاب الله تعالى ، فلما رأى ذلك أصحاب على كفوا عن الحرب ، فقال لهم على رضي الله عنه : أي قوم : هذه مكيدة منهم ، ولم يبق في القوم دفاع ، فعصوه وتركوا القتال ، وكان ذلك سبب الحكمين .

--> ( 1 ) طفر على سرجه : أي وثب في ارتفاع كما يقفز الإنسان على الحائط . ( 2 ) موقعة صفين فيها تلاحم جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع جيش معاوية بن أبي سفيان وذلك سنة 37 ه وانتهت بالتحكيم ، ومن أثارها ظهور الخوارج وثورتهم .