محمد بن وليد الطرطوشي

479

سراج الملوك

ومن أعظم المكايد في الحرب الكمناء « 1 » ، ولا يحصى كثرة كم من عسكر استبيحت بيضته ، وقلّ عزمه بالكمناء ، وذلك : أنّ الفارس لا يزال على حمية في الدفاع وحمى الذّمار « 2 » ، حتى يلتفت فيرى وراءه بندا « 3 » منشورا ، أو يسمع ضرب الطّبول ، فحينئذ همّته خلاص نفسه ، ولتكن همّتك وراء ذلك ، وعليه مدار الحروب في الصطناع « 4 » الشجعان ، واختيار الأبطال ، فاصطنع ذوى البسالة والإقدام والجرأة ، ولا عليك أن لا يكثروا ، وبعيد عليك أن يكثروا ، ولا تنس بيت الشاعر : والناس ألف منهم كواحد * وواحد كالألف إن أمر عنى « 5 » بل قد جرب ذلك فوجد الواحد منهم خيرا من عشرة آلاف ، وسأحكى لك من ذلك ما تقضى منه العجب ، فهم في الجيش وإن قلوا ، كالأنفحة « 6 » في اللبن . فمن ذلك : لما التقى المستعين بن هود « 7 » ، مع الطاغية ابن ردميل النصراني على مدينة ( وشقة ) « 8 » في ثغور بلاد الأندلس وكان العسكران كالمتكافئين ، كل واحد منهما يراهق « 9 » عشرين ألف مقاتل بين خيل ورجل ، فحدّثني رجل ممن حضر الواقعة من الأجناد ، قال : لما دنا اللقاء ، قال الطاغية ابن ردميل لمن يثق بعقله وممارسته للحروب من رجاله : استعلم من في

--> ( 1 ) الكمناء : هم القوم الذين يستخفون في مكمن ثم ينتهزون غرة القوم فينقضون عليهم . ( 2 ) الذمار : كل ما يلزمك حمايته ، فيقال فلان حامى الذمار : إذا حمى ما لو لم يحمه عنّف وليم . ( 3 ) اصطناع : اختيار . ( 4 ) أمر عنى : وقع . ( 5 ) البند : العلم الكبير . وبندا منشورا : علما مرفوعا . ( 6 ) الإنفحة : شيء يستخرج من بطن الجدى قبل أن يطعم غير اللبن ، فيعصر في صوفه مبتلة في اللبن فيغلظ كالجبن . ( 7 ) المستعين بن هود سليمان بن محمد بن حمود أبو أيوب من ملوك الطوائف في الأندلس ومؤسس الدولة الهودية توفى سنة 438 ه هو المقصود هنا ( المستعين الصغير ) وهو أحمد بن يوسف بن أحمد بن سليمان بن حمود فهو رابع ملوك الدولة الهودية من دول الطوائف في الأندلس والذين كانوا يقيمون في سرقسطة ، ولى بعد وفاة أبيه سنة 478 ه وكان من الغزاة ، وله وقائع مع الأفرنج ، ووقعت في أيامه معركة ( وشقة ) سنة 489 ه أو سنة 1096 م والتي قيل أنه قتل فيها نحو عشرة آلاف من جيشه ، واستمر في الإمارة إلى أن قتل بظاهر سرقسطة وهو يدافع عنها سنة 503 ه ( الأعلام 1 / 273 ) . ( 8 ) وشقة : مدينة بالأندلس شرقي مدينة سرقسطة ، وهي مدينة كبيرة قديمة رائعة البنيان فيها أكثر من ستين مسجدا ، حاصرها المسلمون منذ الفتح الإسلامي حصارا طويلا حتى فتحوها سنة 95 ه وينتسب إليها الكثير من أهل العلم . ( 9 ) يراهق : أي يكافئ ، يقال : كانوا رهاق مائة أي زهاء ومقدار مائة .