محمد بن وليد الطرطوشي
477
سراج الملوك
فإن جميع ما ذكرنا تنفق فيه الأموال والحيل ، واللقاء تنفق فيه الأرواح والرؤوس ، ووجوه الخداع فيه لا تحصى ، والحاضر فيها « 1 » أبصر من الغائب . ولله درّ المهلب « 2 » ، لما كتب إليه الحجاج ، يستعجله في حرب الأزارقة « 3 » ، رد الجواب فقال : إن من البلاء أن يكون الرأي عند من يملكه ، لا عند من يبصره . وقال المختار « 4 » ليزيد بن أنس « 5 » - حين ولاه الجزيرة وأمره بقتال عبيد الله بن زياد « 6 » - أمض إلى عدوك برأي غير مستبد ، وبحزم غير متّكل ، ولا تركن إلى الدولة ، فربما انقلبت ، واستشر من لا يطمع في عملك ولا تسر بقلبك ، واستخر الله تعالى قبل إقدامك توفّق . وأوصت أم الذيّال العبسية ابنها الفتّاك « 7 » - وهو من أشد العرب - : يا بنى لا تنشب في حرب إن وثقت شدتك حتى تعرف وجه المهرب منها ، فإن النفس أقوى شيء إذا وجدت سبيل الحيلة ، وأضعف شيء إذا يئست منها ، وأحمد الشدة ما كانت الحيلة مدبّرة لها ، إذا لم يكن النصر من الله تعالى فابذلها ، واختلس من المحارب خلسة الذئب ، وطر منه طيران الغراب ، فإن الحذر زمام الشجاعة ، والتهوّر عدوّ الشّدّة .
--> ( 1 ) أي الحرب . ( 2 ) هو المهلب بن أبي صفرة الذي أرسله الحجاج لقتال الخوارج ثم قضى عليه وهو في إمارة خراسان في عهد عبد الملك بن مروان سنة 83 ه ( الأعلام 7 / 315 ) . ( 3 ) الأزارقة : طائفة من الخوارج نسبة إلى نافع بن الأزرق قضى عليهم المهلب بن أبي صفرة . ( 4 ) هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي من الثائرين على بنى أمية واحد الشجعان الأفذاذ كان مع علىّ بن أبي طالب رضي الله عنه في العراق ، ولما قتل الحسين بن علي سنة 61 ه انحرف لقتال عبيد الله بن زياد ( قاتل الحسين ) فحبسه ابن زياد ونفاه إلى الطائف ، ولكن عاد إلى الكوفة في عهد ابن الزبير ليتتبع قتلة الحسين فقتل ابن زياد ، ولكن مصعب بن الزبير ( أمير البصرة ) أراد اخضاع المختار فقاتله وقتله سنة 67 ه . ( الأعلام 7 / 192 ) . ( 5 ) يزيد بن أنس المالكي الأسدي قائد من أصحاب المختار الثقفي وجهه المختار من الكوفة لدخول الموصل وكان فيها عبيد الله بن زياد فقاتله ابن زياد ومرض ومات في حروبه تلك سنة 66 ه ( انظر : الأعلام 8 / 179 ) . ( 6 ) عبيد الله بن زياد هو عامل الأمويين في العراق وهو الذي قتل الحسين بن علي في كربلاء فقتله ابن الأشتر قائد جيش المختار الثقفي سنة 67 ه . ( الأعلام 4 / 193 ) . ( 7 ) أم الذيال العبسية : في ( خ ) : أم الدبال وابنها القتّال .