محمد بن وليد الطرطوشي

47

سراج الملوك

وقال أبو هريرة : قال لي النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أريك الدنيا جمعا بما فيها ؟ » قلت : بلى . قال : فأخذ بيدي وأتى بي إلى واد من أودية المدينة ، فإذا مزبلة فيها رؤوس الناس ، وعذرات « 1 » . وخرق بالية ، وعظام البهائم ، ثم قال : « يا أبا هريرة ، هذه الرؤوس كانت تحرص على الدنيا كحرصكم ، وتأمل آمالكم ، ثم هي اليوم تساقط جلدا بلا عظم ، ثم هي صائرة رمادا رمددا ، وهذه العذرات ألوان أطعمتهم ، اكتسبوها من حيث اكتسبوها ، ثم قذفوها في بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها ، وهذه الخرق البالية رياشهم ولباسهم ، ثم أصبحت والرياح تصفقها ، وهذه العظام عظام دوابّهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد ، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك » « 2 » . قال : فما برحنا حتى أشتد بكاؤنا . وقال ابن عمر « 3 » : أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ببعض جسدي فقال : « يا عبد الله كن في الدنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل وعدّ نفسك من أهل القبور » « 4 » . يا أيها الرجل إن كنت لا تدري متى يفجؤك الأجل ، فلا تغترّ بطول الأمل ، فإنه يقسّي القلب ويفسد العمل ، وقد عيّر الله أقواما مدّ لهم في الأجل ، فقست منهم القلوب ، وطال منهم الأمل ، فقال تعالى : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [ الحديد : 16 ] . أحسنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر يا أيها الرجل ألق إليّ سمعك وأعرني لبّك : فإن كنت لا تدري متى الموت فاعلمن * بأنّك لا تبقى إلى آخر الدّهّر

--> ( 1 ) العذرات : جمع عذره وهي أردأ ما يخرج من الطعام ( البراز ) . ( 2 ) قال الحافظ أبو الفضل العراقي في تخريج هذا الحديث : « هذا الحديث لم أجد له أصلا » انظر : المغني عن حمل الأسفار في الأسفار ، العراقي ( 2 / 876 رقمه 3203 ) . ( 3 ) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ، أبو عبد الرحمن ، صحابي جليل نشأ في الإسلام وهاجرا إلى المدينة مع أبيه وشهد فتح مكة ، أفتى الناس في الإسلام ستين سنة ، رفض الخلافة بعد مقتل عثمان ، غزا أفريقية مرتين ، وهو آخر من توفي بمكة من الصحابة سنة 73 ه ، وله ( 2630 ) حديثا . ( الأعلام 4 / 108 ) . ( 4 ) رواه البخاري عن ابن عمر بلفظ : [ يا عبد الله ، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ] ، وزاد الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي : [ وعد نفسك من أهل القبور ] ، والحديث صحيح ( الجامع الصغير 2 / 97 ، رقم 6421 ) .