محمد بن وليد الطرطوشي

453

سراج الملوك

فأقام المؤذن الصلاة ، فوضع يزيد العنقود ، وتقدم ليصلي ، وكان أهل أفريقيا قد اجتمعوا على قتله ، فلما ركع ، ضربه رجل على رأسه بعمود فقتله ، وقيل لمحمد بن يزيد : اذهب حيث شئت . فسبحان من قتل الأمير وأحيا الأسير . سنة الله التي قد خلت في عباده ، طلوع الحياة من شفار الموت ، وحضور الموت من معدن الحياة . ويروى : أن سلطان صقلية « 1 » ، أرق ذات ليلة ومنع النوم ، فأرسل إلى قائد البحر ، وقال : أنفذ الآن مركبا إلى أفريقيّة يأتوني بأخبارها . فعمّر القائد المركب وأرسله لحينه ، فلما أصبحوا إذا بالمركب في موضعه لم يبرح ، فقال له الملك : أليس قد فعلت ما أمرتك به ؟ فقال : نعم ، قد امتثلت أمرك وأنفذت المركب ، فرجع بعد ساعة ، وسيحدثك مقدّم المركب « 2 » . فجاء ومعه رجل ، فقال الملك : ما منعك أن تذهب حيث أمرتك ؟ قال : ذهبت بالمركب ، فبينا أنا في جوف الليل والبحّارون يقذّفون « 3 » إذا أنا بصوت يقول : يا الله يا الله ، يا غياث المستغيثين ، يكررها مرارا ، فلما استقر صوته في أسماعنا ، ناديناه مرارا ، يا لبيك ، يا لبيك ، وهو ينادى : يا الله يا غياث المستغيثين ، ونحن نجيبه : يا لبيك ، يا لبيك ، وقذفنا المركب نحو الصوت ، فألفينا هذا الرجل غريقا في آخر رمق من الحياة ، فأخذناه من البحر وسألناه عن حاله ، فقال : كنا مقلعين من إفريقية ، فغرقت سفينتنا منذ أيام ، وما زلت أسبح حتى وجدت الموت ، فلم أشعر إلا بالغوث من ناحيتكم . فسبحان من أسهر سلطانا ، وأرّق جبّارا في قصره ، لغريق في البحر حتى استخرجه من تلك الظلمات : ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة الوحشة لا إله إلا أنت سبحانك . وأخبرني رجل ، كان إمام المسجد الجامع بالإسكندرية « 4 » ، قال : كنت

--> ( 1 ) صقلية : جزيرة في عرض البحر الأبيض المتوسط ، فتحها المسلمون في بداية القرن الثالث الهجري ودام وجودهم فيها 263 سنة إلى أن احتلها الرومان سنة 484 ه . ( 2 ) مقدم المركب : أي قائده . ( 3 ) يقذفون : يجدّفون . ( 4 ) الإسكندرية : مدينة مصرية على المتوسط وهي عاصمة محافظة أسسها الإسكندر سنة 332 ق . م وغدت مركز الثقافة العالمية .