محمد بن وليد الطرطوشي
444
سراج الملوك
قال ابن عباس : فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يرحم الله أم إسماعيل ، لو تركت زمزم - أو قال : لو لم تغرف - لكانت عينا معينا » « 1 » . قال : فشربت ، وأرضعت ولدها ، فقال لها الملك : [ لا تخافوا الضّيعة « 2 » ، فإن هاهنا بيت الله تعالى ، يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لا يضيع أهله ] . « 3 » من قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك « 4 » ومنها قصة الثلاثة الذين خلّفوا ، وذلك أن كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية تخلفوا عن غزوة تبوك ونهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن كلام الثلاثة ، قال كعب : فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا ، حتى تنكّرت لنا الأرض بما رحبت ، فما هي التي أعرف « 5 » وكنت أطوف في الأسواق ، وأشهد الصلاة مع المسلمين ، ولا يكلّمنى أحد ، وآتي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فأسلم عليه وأقول في نفسي ، هل حرّك شفتيه برد السلام ، أم لا ؟ [ ثم أصلى قريبا منه وأسارقه النظر فإذ أقبلت على صلاتي نظر إلىّ ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عنى ] « 6 » ، حتى إذا طال ذلك علىّ من جفوة الناس ، تسوّرت « 7 » جدار حائط أبى قتادة - وهو ابن عمى ، وأحبّ الناس إلىّ - فسلمت عليه . فوالله : مارد علىّ السلام .
--> ( 1 ) معينا : المعين هو الماء الظاهر الجاري الذي لا يتعذر أخذه . ( 2 ) الضّيعة : الضّياع والهلاك . ( 3 ) هذا الحديث جزء من حديث طويل رواه البخاري عن ابن عباس في كتاب الأنبياء باب قوله تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا . ( 4 ) العنوان من إضافات المحقق ، أما الثلاثة الذين أبطأت بهم الغيبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شك ولا ارتياب ولا نفاق في غزوة تبوك سنة 9 ه هم : - كعب بن مالك بن أبي مالك - مرارة بن الربيع - هلال بن أمية . كانوا نفر صدق لا يتّهمون في إسلامهم ، فقد شهد كعب أكثر المواقع مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ما عدا غزوة بدر فقد تخلف عنها ولم يعاتب ، كما شهد مرارة بن الربيع غزوة بدر وشهد هلال بن الربيع بدرا وأحدا ، وقد تخلفوا في تبوك بلا عذر ثم تابوا وثبتت توبتهم ونزل بشأنهم قوله تعالى : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ التوبة : 118 ] . ( 5 ) أي تغير كل شيء حتى الأرض توحشت وصارت كأنها أرض لا أعرفها . ( 6 ) سقطت العبارة التالية من ( ط ) و ( خ ) : [ ثم أصلى قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلىّ ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عنى ] ، وقد وردت في الصحيحين : « ثم أصلي . . . عني ) ، انظر صحيح البخاري ( 4 / 1603 ) ، صحيح مسلم ( 4 / 2124 ) . ( 7 ) أي صعدت سوره وعلوته .