محمد بن وليد الطرطوشي

433

سراج الملوك

الْبَيانَ [ الرحمن : 1 - 4 ] وخلق فيه أعضاء تذلّل « 1 » وتستهان ، وجعلها مجرى لفضول الطعام والشراب ، فمن يتّبع سقطات الكلام ، ويروى عثرات الأنام ، التي هي كالعورات الواجب سترها ودفنها ، كان قد استعمل أشرف الآلات في أخسّ « 2 » المستعملات ، فصار كمن لحس بلسانه سوأة أخيه ، وجعل أكرم جوارحه لأخس أجناس المستعرضين ، ورضى أن يقع من الناس موقع الذباب من الطير ، يتتبع ثفل « 3 » الجسد ، ويتحامى صحيحه ، وقد كان له في نشر المحاسن شغل ، ولكن أهل كل ذي حال أولى بها . وفي هذا سبق المثل : ( إن لم تكن ملحا تصلح ، فلا تكن ذبابا تفسد ) ومن لم يقدر على جميع الفضائل فلتكن همّته ترك الرذائل ، وإذا تتبع الإمام عورات الناس أفسدهم . وروى : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم همّ بالخروج يوما فسمع قوما من أصحابه يضحكون ، فامتنع من الخروج إليهم حذر أن لا يفسد قلبه عليهم « 4 » . ولو علم الذي يسمع أخبار الناس ما جنى على نفسه ، لعلم أنّ الصّمم كان أهنأ لعيشه ، وأنعم لباله من سماع الأخبار . يا واحد « 5 » : ما ذا عمل نقلة الأخبار ؟ حملوا إليك الصدق أو الكذب ؟ فتكون في سماع الكذب ممن قال اللّه تعالى فيه : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [ المائدة : 42 ] وتكون في سماع الصدق حمالا للهمّ ، حرج الصّدر على الخلق ، معاديا لهم ، متتبّعا لعثرات الخلق وخزّانا لسقطاتهم ، قد وعيت منهم ما يجب ستره ، وحفظت ما يجب نسيانه ، ثم لا تستطيع النّصفة من قائل ، لأنّك إن كنت ذا قدرة أهلكت الرعيّة ، ثم لا تستطيع أن تهلك جميع الرعيّة ، وإن كنت سوقة « 6 » لم يشف غيظك ، ثم أفسدت إخوانك وأبغضت من يجب أن تحبّه ، وأحببت من يجب أن تبغضه ، ثم لا تزال تتحمل

--> ( 1 ) في ( خ ) تذلّ وتستهان . ( 2 ) الخسّة والدناءة . ( ط ) أخصّ : من الخصوصية ، والأول أوجه . ( 3 ) الثفل : ما يستقر في أسفل الشيء من كدره . ( 4 ) لم أجده في الصحاح من الكتب . ( 5 ) وردت هذه العبارة في ( ط ) وفي ( خ ) : [ أمّا واحدة ] . ( 6 ) السوقة أي عامة الناس .