محمد بن وليد الطرطوشي
429
سراج الملوك
فقالوا : يا رسول الله ، لم فعلت هذا ؟ قال : « لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا » « 1 » ، وذلك لبركة يده صلى اللّه عليه وسلم . وأما السّعاية إلى السلطان وإلى كل ذي قدرة ومكانة ، فهي المهلكة والحالقة « 2 » ، تجمع إلى الخصال المذمومة : الغيبة ، ولؤم النميمة ، والتغرير بالنفوس والأموال « 3 » ، والقدح في المنازل والأحوال « 4 » ، وتسلب العزيز عزّه ، وتحطّ المكين « 5 » عن مكانته ، والسّيد عن مرتبته ، فكم من دم أراقه سعي ساع ، وكم حريم استبيح بنميمة باغ ، وكم من صفيّين تقاطعا ، ومن متواصلين تباعدا ، ومن محبّين تباغضا ، ومن إلفين تهاجرا ، ومن زوجين افترقا . فليتق اللّه ربه ، رجل ساعدته الأيام ، وتراخت عنه الأقدار ، أن يصيخ لساع « 6 » ، أو يسمع لنمام . وروى ابن قتيبة « 7 » أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الجنة لا يدخلها ديّوث ولا قلّاع » « 8 » . فالدّيّوث : الذي يجمع بين النساء والرجال ، سمى بذلك لأنه يديّث بينهم . والقلّاع : الساعي الذي يقع في الناس عند الأمراء ، لأنه يقصد الرجل المتمكن عند السلطان ، فلا يزال يقع فيه حتى يقلعه . وقال كعب : أصاب النّاس قحط شديد على عهد موسى ، عليه السلام ، فخرج موسى يستسقى ببنى إسرائيل ، فلم يسقوا ، ثم خرج ثانية فلم يسقوا ، ثم خرج الثالثة ، فأوحى اللّه تعالى إليه : « إني لا أستجيب لك ولا لمن معك » ، فإنّ فيكم
--> ( 1 ) روى هذه الزيادة الإمام أحمد في مسنده عن أبي إمامة وعن أبي بكرة وقال المنذري : رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد رواته ثقات . ( الترغيب والترهيب - المنذري - 3 / 294 - 301 ) . ( 2 ) روى الترمذي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قوله : « فساد ذات البين هي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ) . ( 3 ) التغرير بالنفوس والأموال : تعريضها للهلاك . ( 4 ) القدح في المنازل والأحوال : سبّ ذوي المناصب العالية . ( 5 ) المكين : صاحب المكانة العالية . ( 6 ) يصيح لساع : يصغي ويستمع لنمّام أو واش . ( 7 ) هو ابن قتيبة الدينوري عبد اللّه بن مسلم من أئمة الأدب ومن المصنفين المكثرين ولد ببغداد وسكن الكوفة وولى قضاء ( دينور ) فنسب إليها وتوفى ببغداد سنة 276 ه . وقيل سنة 296 ( طبقات المفسرين للداودي 1 / 44 ) . ( 8 ) الحديث : رواه الطبراني عن عمار بلفظ : ( لا يدخل الجنة ديّوث ) .