محمد بن وليد الطرطوشي

425

سراج الملوك

قال اللّه تعالى : أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ « 1 » [ العنكبوت : 29 ] - والنادي : المجلس - ويلعبون بالحمام . ويرمون بالجلاهق « 2 » . وضرب الدف ، وشرب الخمور ، وقص اللحية وتطويل الشارب ، والتصفيق ولبي الحمرة « 3 » . وتزيد عليهم هذه الأمة : باتيان النساء بعضهن بعضا . وإنما حملهم على اتيان الرجال : أنّهم كانت لهم ثمار كثيرة في منازلهم وحوائطهم ، فأصابهم قحط وقلة من الثمار ، فقالوا : بأي شيء نمنع ثمارنا حتى لا يطرقها أحد من الناس ؟ فاصطلحوا على أن من وجدوه فيها نكحوه وغرموه أربعة دراهم ، ففعلوا وما سبقهم بها أحد من العالمين . قال ابن عباس : فكان بدء الفاحشة فيهم أنّهم همّوا بذلك ، فجاءهم إبليس في هيئة صبي ، أجمل شيء رآه الناس ، فنكحوه وتجرءوا على ذلك . وقال أبو العتاهية « 4 » . أما واللّه إنّ الظلم لؤم * ولكنّ المسيئ هو الظّلوم إلى ديّان يوم الدّين نمضى * وعند اللّه تجتمع الخصوم سل الأيّام عن أمم تقضّت * فتخبرك المعالم والرّسوم وروى أنّ أنوشروان كان له معلّم حسن التأديب ، فعلّمه حتى فاق في العلوم ، فضربه المعلم يوما من غير ذنب فأوجعه ، فحقد أنوشروان عليه ، فلما ولى الملك قال له : ما حملك على ما صنعت من ضربي يوم كذا وكذا ظلما ؟ قال : لما رأيتك ترغب في العلم ، رجوت لك الملك بعد أبيك ، فأحببت أن أذيقك طعم الظلم ، لئلا تظلم فقال أنوشروان : زه « 5 » . * * *

--> ( 1 ) وقد ذكر القرطبي في معرض تفسيره لهذه الآية جملة من اخلاق قوم لوط نقلها عن مجاهد ومكحول وابن عباس حيث قال : إن قوم لوط كانت لهم ذنوب عشرة . ( 2 ) الجلاهق : جسم صغير كروى من طين أو رصاص يرمى به ، وقيل هو القوس التي يرمى بها البندقة ( فارسية ) . ( 3 ) لبس الحمرة : قال العلماء إن كراهة الحمرة من اللباس منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج للزينة . ( 4 ) أبو العتاهية : إسماعيل بن القاسم ، الشاعر المعروف سبقت ترجمته . ( 5 ) زه . أي أحسنت ، وتستعمل هذه الكلمة للاستحسان والتهكم .