محمد بن وليد الطرطوشي

422

سراج الملوك

الخراج ، قال : أما إنّي سمعت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن اللّه يعذّب الذين يعذّبون النّاس في الدنيا » « 1 » . وأخبرني رجل ممن كان يقرأ العلم بالإسكندرية ، قال : كان هاهنا شيخ يكون عينا للمكّاسين « 2 » يدور حولهم ، فرأيته في النوم بعد وفاته ، فقلت له : من أين تجئ ؟ فقال لي : لا تسأل ، فأعدت عليه . فقال : لا تسأل ، فسألته فقال : من الجحيم ، فقلت له : فإلى أين تذهب ؟ قال : إلى مثل الدار التي خرجت منها ، قلت : فكيف لقيت ؟ قال : وما ذا لقيت ؟ كان لحمي قد جعل في هاون « 3 » ودقّ حتى صار مثل المخ . وأخبرني رجل من أهل العلم والدين ، قال : رأيت فلانا البيّاع في النوم بعد وفاته ، فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ قال : أنا محبوس عن الجنة ، قلت : فبما ذا ؟ قال : كنت أبيع في الدكان فيزدحم الناس علىّ ، فآخذ دراهمهم فأضعها في فمي ، وكلما تفرّغت وزنتها وأعطيت كلّ إنسان حقه ، فاختلطت في فمي الفضّتان ، فجاء اثنان فدفعت لأحدهما بفضة الآخر ، وكانت أنقص من فضته بحبة ، ثم حوسبت فبقى علىّ حبة ، فقلت : فادفع له الحبة وتخلّص ، فجعل يقلب كفيه ، ويقول : من أين أدفع له ؟ من أين أدفع له ؟ فكررها مرات . ويروى أن يونس عليه السلام « 4 » : لما نبذ بالعراء ، وأنبت اللّه عليه شجرة من يقطين ، كان يأوى إلى ظلها ، فيبست فبكى عليها ، فأوحى اللّه تعالى إليه :

--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه ، وأبو داود عن هشام بن حكيم ، كما رواه الإمام أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن عائض بن غنم والحديث صحيح ( الجامع الصغير للسيوطي رقم 1916 ) . ( 2 ) يأتي للمكاسين بالأخبار : المكاس هو الذي يأخذ المكس ، والمكس هو ما يؤخذ من أموال الناس بغير الحق إما يؤخذ من بائعى السلع في أسواق الجاهلية ، أو ما يأخذه أعوان الدولة عن أشياء معينة عند بيعها أو عند ادخالها للمدن . ( 3 ) الهاون : كلمة فارسية معربة وهو ما يدق فيه الدواء وغيره . ( 4 ) يونس بن متّى من بنى يعقوب ، عليه والسلام ، بعثه اللّه تعالى - كما يقول أهل التفسير إلى أهل نينوى من أرض الموصل ، فدعاهم إلى اللّه فكذبوه وتمردوا ، فلما طال ذلك عليه من أمرهم ، خرج من بين أظهرهم ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث ليال ، وركب الفلك الذي أوشك على الغرق ، فساهم معهم في القرعة فوقعت عليه فرموه في البحر فالتقطه حوت والذي أمره اللّه تعالى أن لا يهشم له لحما ولا عظما ، ثم رماه على الشاطئ بأمر اللّه ( وقصته تجدها في قصص الأنبياء لابن كثير ص 257 أو البداية والنهاية لابن كثير أو قصص الأنبياء للنجار ) .