محمد بن وليد الطرطوشي

413

سراج الملوك

وروى أن حكيما سمع رجلا يذمّ الزمان وأهله ، وأنّه قد فسد الناس ، ولم يبق أحد يصحب ، فقال له : يا هذا : أنت طلبت صاحبا تؤذيه فلا ينتصر ، وتنال منه فلا ينتصف « 1 » ، وتأكل رحله ولا يرزؤك بشئ « 2 » ، وتجفو عليه فيحلم ، فلم تنصف في الطلب ، فلم تجد حاجتك . ولكن أن أردت صاحبا يؤذيك فلا تنتصر ، ويجفوك فلا تنتقم ، ويأكل رحلك فلا تنال منه شيئا ، وجدت أصحابا وإخوانا وخلّانا ، وأنا أول من يصحبك . * * * فصل : في الفرق بين المداهنة والمداراة « 3 » : من دارى سلم ، ومن داهن أثم ، وهذا باب اختلط على معظم الخلق ، فداهنوا وهم يحسبون أنهم يدارون ، فالمداهنة منهيّ عنها ، والمداراة مأمور بها . قال اللّه تعالى في المداهنة : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [ القلم : 9 ] وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم في المداراة : « رأس العقل بعد الإيمان بالله التودّد إلى الناس ، وأمرت بمداراة النّاس كما أمرت بأداء الفرائض » « 4 » . واعلم : أنه إذا سقمت المداراة ، صارت مداهنة . فالمداهنة : ان تداري الناس على وجه يذهب فيه دينك . والمداراة : مخالفتهم على وجه يسلم لك دينك ، وذلك أنّ هذه الآية نزلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد قالت له قريش : يا محمد : اعبد آلهتنا سنة ونؤمن بك ، فأبى . قالوا : فشهرا ، فأبى ، قالوا : فيوما ، فأبى ، قالوا : ساعة ، فأبى ، قالوا : فاستلمها بيدك ونؤمن بك ، فوقف النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك وطمع إن فعل أن يؤمنوا ، فأنزل اللّه تعالى : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ .

--> ( 1 ) أي تصيبه بسوء ولا يطلب العدل والإنصاف . ( 2 ) تأكل ما معه من الزاد ولا يقاسمك منه شيء . ( 3 ) المداهنة : مرادفة للخداع وإظهار خلاف ما يبطن ( فهي محرّمة ) أما المداراة فهي مأخوذة من المداراة وهي الملاطفة والملاينة ( فهي مشروعة ) . ( 4 ) الجزء الأول من الحديث : قال الإمام السيوطي فيه رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس وأبي هريرة والحديث ضعيف ( الجامع الصغير 4367 ) أما الجزء الثاني من الحديث فقد رواه الديلمي عن عائشة ( كشف الخفاء للعجلوني رقم 679 ) .