محمد بن وليد الطرطوشي
412
سراج الملوك
وجه أخيك منهيّا عنه ، وإنما المكروه : ما ذكرناه في أول الباب من التملّق والتصنّع . وفصل الخطاب في هذا الباب : ما روى هند بن أبي هاله « 1 » في صفة مجلس النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : ( كان أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير ) . ومعلوم أن من كان على رأسه طائر لا يبرح ، ولا يتحرك ، ولا يتكلم ولا يطرف بعينه ، حذرا أن ينفر الطائر . وقال ابن المقفع : كان لي صديق من أعظم الناس في عيني ، وكان رأس ما عظّمه في عيني صغر الدّنيا في عينه ، كان خارجا من سلطان بطنه ، فلا يشتهي ما لا يجد ، ولا يكثر إذا ما وجد ، وكان خارجا من سلطان فرجه ، فلا يدعو إليه مئونة ، ولا يستخفّ له رأيا ولا بدنا ، وكان خارجا من سلطان الجهالة ، فلا يقدم أبدا إلّا على ثقة بمنفعة ، كان أكثر دهره صامتا ، فإذا قال بذّ القائلين « 2 » ، وكان متضاعفا « 3 » مستضعفا « 4 » ، فإذا جاء الجدّ فهو الليث عاديا « 5 » ، كان لا يدخل في دعوى ، ولا يشارك في مراء « 6 » ، ولا يدلى بحجة ، حتى يرى قاضيا عدلا وشهودا عدولا ، وكان لا يلوم أحدا على ما يكون العذر في مثله ، حتى يعلم ما اعتذاره ، كان لا يشكو وجعا إلا إلى من يرجو عنده البرء ، ولا صاحبا إلا من يرجو عنده النصيحة لهما جميعا ، وكان لا يتبرّم « 7 » ، ولا يتسخّط [ ولا يشتكى ، ولا ينتقم من الولي ] « 8 » ، ولا يغفل عن العدو ، ولا يخصّ نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه ، وحيلته ، وقوته ، فأقف « 9 » هذه الأخلاق ، فإن لم تطق فخذ القليل خير من ترك الجميع .
--> ( 1 ) هند بن أبي هالة التميمي : ربيب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأمه خديجة بنت خويلد زوجة النبي صلى اللّه عليه وسلم وأبوه هاله كان زوجها قبل النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد كان وصّافا وصف النبي صلى اللّه عليه وسلم ومجلسه وأصحابه استشهد يوم الجمل سنة 36 ه . ( الإصابة 6 / 557 ، والاستيعاب 4 / 544 ) . ( 2 ) بذ القائلين : غلبهم وفاق عليهم . ( 3 ) المتضاعف : من يفعل الضعف تواضعا . ( 4 ) المستضعف : من يستضعفه الناس لفقره . ( 5 ) عاديا : واثبا . ( 6 ) المراء : الجدال . ( 7 ) لا يتبرم : لا يتضجر . ( 8 ) كذا في ( خ ) و ( ط ) ، وفي كتاب الأدب الكبير لابن المقفع : [ ولا يتشهّى ولا يتشكّى ، وكان لا ينقم على الولي ] والولي هو الرفيق المحبب . ( 9 ) أقف أثره : اتّبع أثره ، وفي الأدب الكبير : [ فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت - ولن تطيق - ولكنّ أخذ القليل خير من ترك الجميع ] .