محمد بن وليد الطرطوشي
409
سراج الملوك
وافى داره ، قال مثل ما قال في الأولى ، واخذ يعتذر ، ثم كذلك في الثالثة ، والرابعة ، وأبو عثمان ينصرف ويحضر . ثم قال : يا أستاذ ، إنما أردت اختبارك ، والوقوف على أخلاقك ، وجعل يعتذر إليه ويمدحه ، فقال أبو عثمان : لا تمدحنى على خلق تجد مثله مع الكلاب ، فالكلب إذا دعي حضر ، وإذا زجر انزجر . وروى : أن بعض الفقراء نزل على جعفر بن حنظلة ، وكان جعفر يخدمه والفقير يقول : نعم الرجل أنت ، لو لم تكن يهوديا ، فقال له جعفر : عقيدتي لا تقدح فيما تحتاج إليه من الخدمة ، فسل لنفسك الشفاء ، ولى الهداية . وروى أن أبا جعفر القمودى « 1 » المتعبد ، لقيه بعض الأجناد ومعه كلب للصيد ، فقال له : خذ هذا الكلب وقده خلفي ، فأبى ، فضرب رأسه بالسّوط حتى أوجعه ، فقال له بعض المارّين : ويحك هذا أبو جعفر القمودى العابد : فنزل عن فرسه وجعل يقبل يديه ويعتذر إليه ، فقال : أنت في حلّ . قال إبراهيم بن الحسن : سمعت إبراهيم القمودى ليالي عديدة ، إذا فرغ من حزبه « 2 » في جوف الليل ، يدعو ويقول : اللهم اغفر لصاحب الكلب وارحمه . وقيل : مكتوب في الإنجيل : عبدي ، اذكرني حين تغضب ، أذكرك حين أغضب . وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [ البقرة : 83 ] أي كلّ من لقيته فقل له حسنا من القول . وقال لقمان لابنه : ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة : الحليم عند الغضب ، والشجاع في الحرب ، والأخ عند الحاجة إليه . وروى أن عبد اللّه الخياط ، كان له مجوسيّ يخيط عنده الثياب ، ويدفع له دراهم زيوفا « 3 » ، وكان عبد اللّه يأخذها ، فجاء المجوسي يوما بالدراهم فلم يجده ، فأعطاها لتلميذه فلم يقبلها ، فدفع له صحاحا ، فلمّا رجع عبد الله قال
--> ( 1 ) أبو جعفر إبراهيم القمودى : الإمام زاهد المغرب ، نسبة إلى « قمودة » قرية بالقيروان ، كان سيدا عالما منقطع القرين كما يقول الذهبي ، مات في سوسة سنة 324 ه ( سير أعلام النبلاء 15 / 78 ) . ( 2 ) الحزب : أي القسم الذي يقرأه من القرآن والأدعية . ( 3 ) الدراهم الزيوف : أي الرديئة والمزيفة .