محمد بن وليد الطرطوشي

407

سراج الملوك

وروى أن عليا رضى اللّه عنه ، دعا غلاما له فلم يجبه ، فدعاه ثانيا ، وثالثا ، فلم يجبه ، فقام إليه فرآه مضطجعا ، فقال : أما تسمع يا غلام ؟ قال نعم . قال : فما حملك على ترك جوابي ؟ قال : أمنت عقوبتك فتكاسلت . قال : امش فأنت حر لوجه الله . وهذا كما ترى قوة إلهية يفرغها اللّه على المصطفين من عباده ، وأهل الصفوة من أوليائه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ آل عمران : 159 ] فجرّده عن حقائق البشرية ، وألبسه من نعوت الربوبية ، حتى قوّاه على صحبتهم ، وصبّره على تبليغ الرسالة إليهم ، مع الذي كان يقاسيه من أخلاقهم ، مع كونه مستغرقا باستيلاء الحق تعالى عليه ، يختص برحمته من يشاء . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « المؤمن ألف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف » « 1 » وإنما سمى بالآدمي ؛ لأنه تألّف من الجواهر والألوان . وقال صلى اللّه عليه وسلم لرجلين متباغضين : « آدم اللّه بينكما » اى : ألّف بينكما . ومنه سمى الأدم المأكول ، لأنه يؤلّف الطعام ويحسّنه ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لرجل أراد أن يتزوج امرأة : « انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما » « 2 » أي يؤلّف بينكما . وروي أن معروفا الكرخي « 3 » ، نزل الدجلة يتوضأ ووضع مصحفه وملحفته ، فجاءت امرأة فأخذتهما ، فتبعها معروف ، وقال : يا أختي : أنا معروف ، لا بأس عليك ، ألك ابن يقرأ ؟ قالت : لا . قال : فزوج ؟ قالت : لا . قال : فهاتى المصحف وخذي الثوب . وروى أن أبا ذر كان على حوض يسقى إبله ، فأسرع بعض الناس إليه

--> ( 1 ) الحديث : رواه الإمام أحمد بلفظ » المؤمن يألف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف » والحديث صحيح ( الجامع الصغير رقم 9146 و 9147 ) . ( 2 ) رواه النسائي والترمذي عن المغيرة بن شعبة وقال حديث حسن ( كنز العمال - ج 16 رقم 44572 ) . ( 3 ) معروف الكرخي : أحد أعلام الزهاد والمتصوفين . كان من موالى الإمام على الرضا بن موسى الكاظم ، ولد في كرخ بغداد وتوفى ببغداد سنة 200 ه - اشتهر بالصلاح والتقوى ، ولابن الجوزي كتاب في أخباره وآدابه . ( طبقات الصوفية 1 / 80 ) .