محمد بن وليد الطرطوشي
395
سراج الملوك
وروى عباية بن رفاعة « 1 » قال : بلغ عمر بن الخطاب أن سعدا بن أبي وقاص « 2 » ، اتخذ قصرا وجعل عليه بابا ، وقال : انقطع الصويت ، فأرسل عمر محمد بن مسلمة « 3 » ، وكان عمر إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما هو عليه بعثه ، فقال له : ائت سعدا فأحرق عليه بابه ، فقدم الكوفة ، فلما أتى الباب ، أخرج زنده واستورى نارا ، ثم أحرق الباب ، فأتى سعدا الخبر ، ووصف له بصفته فعرفه ، فخرج إليه سعد ، فقال له محمد : إنه قد بلغ أمير المؤمنين إنك قلت : انقطع الصويت ، فحلف سعد بالله ما قال ذلك ، فقال له محمد : نفعل الذي أمرنا به ، ونؤدّي عنك ما تقول . ثم ركب راحلته ، فلما كان ببطن البريّة أصابه من الخمص « 4 » والجوع ما اللّه به أعلم ، فأبصر غنما ، فأرسل غلامه بعمامته ، فقال : اذهب فابتع منهم شاة ، فجاء الغلام بالشاة وهو يصلى ، فأراد ذبحها . فأشار إليه : أن كف ، فلما قضى صلاته ، قال : انظر فإن كانت مملوكة مسيمتها « 5 » فاردد الشاة وخذ العمامة ، وإن كانت حرة فاذبح الشاة ، فذهب فإذا هي مملوكة ، فرد الشاة وأخذ العمامة ، فأخذ بخطام ناقته ، فجعل لا يمر ببقلة « 6 » إلا خطفها ، حتى آواه الليل إلى قوم ، فأتوه بخبز ولبن ، وقالوا : لو كان عندنا شيء غير هذا أتيناك به ، فقال : بسم الله ، كل حلال أذهب السّغب « 7 » خير من مأكل السوء ، حتى قدم المدينة فنزل بأهله ، فابترد من الماء ثم راح ، فلما أبصره عمر رضى اللّه عنه ، قال له : لولا حسن الظن بك ما رأينا أنك أدّيت ، - وذكروا أنه أسرع المسير - فقال : قد فعلت ، وهو يعتذر ويحلف بالله ما قال . فقال عمر : هل آمر لك بشئ ؟ قال : ما رأيت مكانا أن تأمر لي ، فقال عمر : إن أرض العراق أرض رفيقة ، وإن أهل المدينة يموتون حولى من الجوع ، فخشيت أن آمر لك بشيء يكون لك باردة ، ولي الحار .
--> ( 1 ) عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج روى عن والده بعض الأحاديث . ( 2 ) سعد بن أبي وقاص قائد جيوش المسلمين في العراق وبطل القادسية ، سبقت ترجمته . ( 3 ) محمد بن مسلمة : صحابي من الأمراء من أهل المدينة ، شهد الغزوات إلا تبوك حيث استخلفه النبي صلى اللّه عليه وسلم على المدينة ، ولاه عمر على صدقات جهينة وكان عند عمر معدا لكشف أمور الولاة في البلاد ، مات بالمدينة سنة 43 ه ( الأعلام 7 / 97 ) . ( 4 ) الخمص : الجوع ، والمخمصة : خلاء البطن من الطعام . ( 5 ) المسيمة : التي بها علامة يعرف من خلالها مالكها . ( 6 ) البقل : نبات عشبى يتغذى به الإنسان . ( 7 ) السغب : الجوع ، والمسغبة : المجاعة ومنه قوله تعالى : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ [ البلد : 14 ، 15 ] .