محمد بن وليد الطرطوشي
394
سراج الملوك
وعن هذا قال بعض أصحاب الشافعي : إذا كان القضاء في يد من لا يصلح له ، وجب أن يخطبه من يصلح له ، وكان ذلك فرضا عليه . وفقهاء الأمصار على خلاف هذا الرأي . ويحتمل أن يكون يوسف عليه السلام قد أوحي إليه ، بما يصير أمره إليه من الملك والعدل ، ونشر كلمة الإسلام ، فلهذا نبّه على نفسه . ومن عجيب ما يروى في هذا الباب : أن لقمان الحكيم « 1 » كان عبدا أسود حبشيا ، غليظ الشفتين ، مصفّح القدمين ، لامرأة من بنى الحسحاس ، وكان جليسا لداود عليه السلام فأتاه جبريل عليه السلام بالنبوة من عند الله ، الذي يصطفى لنبوته من يشاء ، فقال لقمان : يا جبريل : إن أمرني ربى فسمع وطاعة ، وإن خيّرنى اخترت الحكمة ، فرضى اللّه تعالى قوله فأعطاه الحكمة ، وصرف عنه الرسالة إلى داود عليه السلام ، فكان داود يقول : طوبى لك يا لقمان : أوتيت الحكمة وأوتى داود البليّة . وروى أنه جالس داود عليه السلام ، وداود يعمل الدروع ، فأقام حولا يبصر صنعة الدرع ، ولا يعلم ما يصلح له ، ولا يسأل عن ذلك ، فلما تم حول ، لبس داود الدرع ، وقال : درع حصينة ليوم حرب ، فقال لقمان : الصّمت حكمة وقليل فاعله . وكان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، إذا بعث عاملا اشترط عليه ، أن لا يركب البراذين « 2 » ، ولا يلبس الرقيق ، ولا يأكل النقيّ « 3 » ، ولا يتخذ حاجبا ، ولا يغلق بابا عن حوائج الناس وما يصلحهم ، ويقول له : إني لا أستعملك على أبشارهم « 4 » ، ولا أعراضهم ، ولا أعمالهم ، وإنما أستعملك لتصلّي بهم ، وتقضى بينهم بالعدل .
--> ( 1 ) لقمان الحكيم : قال ابن كثير كان لقمان رجلا صالحا ذا عبادة وحكمة عظيمة وأنه كان قاضيا في زمن داود عليه السلام ، أصله من النوبة في صعيد مصر ، وقيل كان عبدا حبشيا نجارا وهناك من يقول أنه عرضت عليه النبوة فاختار الحكمة ، ( وفي هذا نظر والله أعلم ) فالمشهور أنه كان حكيما وليس نبيا ، ذكره اللّه تعالى في القرآن الكريم وأثنى عليه . ( البداية والنهاية ج 2 / ص 122 وما بعدها ) . ( 2 ) البراذين : الخيول الأصلية مفردها برذون وهو التركي من الخيل وخلافها . ( 3 ) النقى من الطعام : خياره وخلاصته . ( 4 ) أبشارهم : أجسادهم وظاهر جلودهم .