محمد بن وليد الطرطوشي

390

سراج الملوك

الله - ؟ قال : مثل سنّ عتّاب بن أسيد « 1 » ، لما ولّاه النبي صلى اللّه عليه وسلم مكة ، فهابوه لحدّة جوابه ، وعرفوا فضله ، وكان لعتاب بن أسيد إحدى وعشرون سنة لما ولى مكة . وكان عمر يقول : لا يصلح أن يلي أمور الناس ، إلا حصيف العقل ، وافر العلم ، قليل الغرّة « 2 » ، بعيد الهمة ، شديد في غير عنف ، ليّن في غير ضعف ، جواد في غير سرف ، لا يخاف في اللّه لومة لائم . وقال أيضا : ينبغي أن يكون في الوالي من الشدة ، ما يكون ضرب الرقاب عنده في الحق كقتل عصفور ، ويكون فيه من الرقة والحنوّ والرأفة والرحمة ، ما يجزع من قتل عصفور بغير حق . ويروى أنّ الرشيد أحضر رجلا ليوليه القضاء ، فقال له : إني لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه ، فقال له الرشيد فيك ثلاث خلال : لك شرف ؛ والشّرف يمنع صاحبه من الدناءة ، ولك حلم يمنعك من العجلة ، ومن لم يعجل قلّ خطؤه ، وأنت رجل تشاور في أمرك ، ومن شاور كثر صوابه ، وأما الفقه فنضمّ إليك من تتفقه به ، فولى ، فما وجدوا فيه مطعنا . وقال إياس بن معاوية « 3 » : استحضرنى عمر بن هبيرة « 4 » فحضرت فساكتنى فسكت ، فلما أطلت ، قال : إيه ؟ قلت : سل عما بدا لك . قال : أتقرأ القرآن ؟ قلت : نعم ، قال : فهل تفرّض الفرائض ؟ قلت : نعم ، قال : فهل تعرف من أيام العرب شيئا ؟ قلت : أنا بها أعلم ، قال : فهل تعرف من أيام العجم شيئا ؟ قلت : أنا بها أعلم ، قال : إني أريد أن استعين بك ، قلت : إن فيّ ثلاثا لا أصلح معهن للعمل ، قال : ما هن ؟ قلت : أنا دميم « 5 » كما ترى ، وأنا

--> ( 1 ) عتّاب بن أسيد بن أبي العيص القرشي الأموي ، من الولاة الأشراف ، أسلم يوم فتح مكة وكان شجاعا عاقلا ، استعمله النبي صلى اللّه عليه وسلم على مكة حين مخرجه إلى حنين وكان عمره 21 سنة ، وأقرّه أبو بكر واستمر إلى أن مات في السنة التي مات فيها أبو بكر الصديق رضى اللّه عنهم سنة 13 ه وقيل مات سنة 23 ه والله أعلم ( الأعلام 4 / 199 ) . ( 2 ) الغرة : الغفلة . ( 3 ) إياس بن معاوية : قاضى البصرة المشهور بذكائه وعدله . ( 4 ) عمر بن هبيرة : أمير من الدهاة الشجعان ، ولى العراق وخراسان وقد سبقت ترجمته . ( 5 ) الدميم : القيح المنظر .