محمد بن وليد الطرطوشي
351
سراج الملوك
على جوانبها « 1 » ، ثم أرسل عليها الماء ، اخضرّ عودها فقويت أشجارها ، وأينعت ثمارها ، وزكت بركاتها ، فكانوا جميعا في أمان من الضّيعة « 2 » ، ولا يخافون فقرا ولا شتاتا ، وإن هو رغب في غلّتها وجناها ، ولم ينفق فيها ما يكفيها ، ولا ساق إليها من الماء ما يرويها ، رغبة في الغلة ، وضنّة بالمال ، ضعفت عمارتها ، ودقّت « 3 » أشجارها ، وقلت ثمارها ، وذهبت غلتها ، ومحق الدهر ما جنى من غلّتها ، فافتقر القوم ، وهلكوا ، وتشتتوا . ومثال الملك في جمع المال ليتقوى به على عدوه ، مثل طائر ينتف ريشه ، ويمصّ أصولها ، ويأكل ما نعم منها فلذّ له طيّبها ، وأعجبه خصب جسمه على ذلك وقوّته على عدوّه ، فلم يزل كذلك حتى خفّ ريشه ، فسقط إلى الأرض ، فأكلته الهوام والحشرات . ورأيت في أخبار بعض الملوك : أن وزيره أشار عليه بجمع الأموال واقتناء الكنوز ، وقال : إن الرجال وإن تفرقوا عنك اليوم فمتى احتجتهم عرضت عليهم الأموال فتهافتوا عليك ، فقال له الملك : هل لهذا من شاهد ؟ قال : نعم ، هل بحضرتنا الساعة ذباب ؟ قال : لا . قال : فأمر بإحضار جفنة « 4 » فيها عسل ، فحضرت ، فتساقط عليها الذباب لوقتها ، فاستشار السلطان بعض أصحابه في ذلك ، فنهاه عن ذلك ، وقال : لا تغير قلوب الرجال ، فليس في كل وقت أردتهم حضروا ، فسأل : هل لذلك من دليل ؟ قال : نعم ، إذا أمسينا سأخبرك ، فلما أظلم الليل قال للملك : هات الجفنة ، فحضرت ، ولم تحضر ذبابة واحدة . وقد روينا عن سيرة بعض السلاطين في أرض مصر ، وكان قد ملكها ، وكان اسمه ( يلدقور ) : إنه كان يجمع الأموال ، ولا يحفل بالرجال ، فقال له أصحابه : إنّ أمير الجيوش بالشام وهو يتواعدك ، وكأنه قد قدم عليك . فاستعد الرجال ، وأنفق فيهم الأموال ، فأومأ إلى صناديق موضوعة عنده ، وقال : الرجال في الصناديق . فغزا أمير الجيوش ذلك الملك في مصر ، وقتله ، وتسلم الصناديق والملك ، فكان رأيه رأيا فاسدا ، لأن رجالا يقيمهم لوقته ، ويصطنعهم ، لحاجته ، إنما يكونون أجنادا مجتمعين ، وشرذمة ملفّقين ، ليس فيه عناء ، ولا عندهم دفاع ، ولا ممارسة للحروب .
--> ( 1 ) حظر على جوانبها : أحاطها بسور أو حائط أو ما أشبه بذلك . ( 2 ) الضّيعة : الضّياع والهلاك والتلف والإهمال . ( 3 ) دقّت : ضعفت وصغرت . ( 4 ) الجفنة : القصعة أو الصحن .