محمد بن وليد الطرطوشي
341
سراج الملوك
وفي الأمثال القديمة : احذر زمّارة المخدة « 1 » ، وفيه قيل : ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا * مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا وفي الأمثال : لا تدلّ فتملّ « 2 » ، ولا توجف فتعجف « 3 » . وقال الرشيد ، لإسماعيل بن صبيح « 4 » : إياك والدّالة ، فإنها تفسد الحرمة . وقال سليمان بن داود عليهما السلام : لا تغش السلطان ، ولا تقعد عنه « 5 » . وقال الحكماء : شدة الانقباض عن السلطان تورث التهمة ، وشدة الانبساط تفتح باب الملالة . واعلم أن من طلب العز بلا ذل ، كانت ثمرة سعيه الذل . أحرز منزلتك عند السلطان بمثل ما اكتسبتها من الجد والمناصحة ، واحذر أن يحطّك التهاون « 6 » عما رقّاك « 7 » إليه التحفظ « 8 » . إن أشقى الناس بالسلطان صاحبه ، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا . من لزم باب السلطان بصبر جميل ، وكظم الغيظ ، واطّراح الأذى ، وصل إلى حاجته . وقال الأحنف بن قيس : لا تنقبضوا عن السلطان ولا تهالكوا عليه ، فإنه من أشرف « 9 » على السلطان أرداه « 10 » ، ومن تضرع له تخطّاه « 11 » .
--> ( 1 ) أي : احذر ما تزينه لك الأحلام . تأتى الزمارة بمعنى « الإغراء » زمّر بالشيء : أي أغراه . وتأتى بمعنى الزانية . ( 2 ) لا تفرط في الدلال فتضجر وتملّ ، يقال ( أدلّ فأملّ ) . ( 3 ) وجف الشيء : اضطرب ( قلوب يومئذ واجفة ) أي شديدة الاضطراب ، والإيجاف : سرعة السير منها قوله تعالى : فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ أي ما أعلمتم وما أجريتم . ومعنى تعجف : أي تحبس وتمنع عما تشتهيه . يقال : ( أوجف فأعجف ) . ( 4 ) إسماعيل بن صبيح كان من جلساء هارون الرشيد وعمل كاتبا عند الفضل بن الربيع وزير الرشيد وكان ممن حضر وفاة الرشيد ثم وزر للأمين من بعده . ( 5 ) أي لا تكثر التردد عليه ، ولا تقعد عنه : أي لا تتأخر عن تلبية حاجته . ( 6 ) يحطّك التهاون : اى يحطّ التهاون من قدرك . ( 7 ) رقّاك : رفع مكانتك وصعد بقدرك . ( 8 ) التحفظ : التيقظ وقلة الغفلة . ( 9 ) أشرف عليه : تعالى عليه . ( 10 ) أرداه : أهلكه . ( 11 ) تخطاه : تجاوزه .