محمد بن وليد الطرطوشي
338
سراج الملوك
تعليق على الباب الرابع والأربعين : لي تعليق على هذا الباب ، أو على ما أورده الشيخ الطرطوشى في هذا الباب ، من أحكام مستمدة من كتب الهند مثل كليلة ودمنة أو أقوال حكماء الفرس ووزرائهم أو حتى أقوال العرب . . . حيث أصدروا حكما عاما بالقسوة والظلم وعدم الوفاء والغدر على جميع الملوك والسلاطين ، فلم يستثنوا أحدا ، مع أن الواقع يخالف هذه الأقوال ويناقض تلك الآراء والأحكام ، فكم من ملك أو سلطان تمتع ناصحوه ومرشدوه وأعوانه وجلساؤه بكل الرعاية والتقدير ولم يتعرض أحد منهم لمثل ما ذكره الكاتب حتى غادروا الدنيا وهم على ذلك . ثم إن أخذ الأمر على عمومه قد يفهم البعض منه تعطيل شعائر عدة من شعائر الإسلام : منها : التنفير من قبول منصب الولاية والإمارة ، مع أنه منصب واجب ، وقد أفرد ابن تيمية - رحمه الله - فصلا في كتابه « السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعيّة » سمّاه وجوب اتخاذ الإمارة - ص 169 - ، ومما قاله : « يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين ، بل لا قيام للدين إلا بها . . . » ، ومما قاله أيضا - ص 29 - : « إن الراعي إذا اجتهد في إصلاح رعيته ، كان من أفضل أهل زمانه بل من أفضل المجاهدين في سبيل الله ، فقد روى : « يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة » والتجربة تبين ذلك ، بل اعتبر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم الإمام العادل أول السبعة الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، كما روي ذلك في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه . ومنها أيضا : تعطيل واجب المشورة للسلطان ، حيث لا غنى لولي الأمر عن المشاورة ، فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى اللّه عليه وسلم بقوله سبحانه : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ كما أثنى على المؤمنين الذين يمارسون هذا الواجب بقوله : . . . وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . ومنها أيضا : تعطيل شعيرة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فإذا لم يتصدى العلماء وجلساء الملوك والسلاطين لوعظهم وإرشادهم وتنبيههم إلى طريق الحق والصواب ، فمن يقوم بهذه المهمة إذا ؟ ! وأين العمل بأحاديث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم التي تأمر بمناصحة ولاة الأمر ، وأذكر منها : قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الله يرضى لكم ثلاثة : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا ، وأن تناصحوا من ولّاه الله أمركم » [ رواه مسلم ] ، وقوله : « ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين ، لأن دعوتهم تحيط من ورائهم » [ رواه أهل السنن ] ، وفي الصحيح عنه أنه قال : « الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة » قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال : « لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم » . وبمقابل هذا ، توجد أحاديث كثيرة أفرد لها العلماء أبوابا خاصة ، فالإمام مسلم مثلا جمع في صحيحه أحاديث ( كتاب الإمارة ) وصنّفها في أبواب منها : ( باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها ) ( وباب كراهة الإمارة بغير ضرورة ) و ( باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر ) وغيرها . ولكننا لم نجد بابا أو حديثا ينفر أو يحذر من صحبة السلطان أو خدمته أو الدخول عليه ونصيحته . والله أعلم .