محمد بن وليد الطرطوشي
33
سراج الملوك
خطبة الكتاب بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي لم يزل ولا يزال ، وهو الكبير المتعال ، خالق الأعيان والآثار « 1 » ، ومكوّر النّهار على الليل والليل على النهار ، العالم بالخفيّات وما تنطوي عليه الأرضون والسماوات ، سواء عنده الجهر والإسرار وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ « 2 » [ الرعد : 10 ] ، أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] ، خلق الخلق بقدرته وأحكمهم بعلمه ، وخصّهم بمشيئته ، ودبّرهم بحكمته ، لم يكن له في خلقهم معين ، ولا في تدبيرهم مشير وظهير « 3 » ، وكيف يستعين من لم يزل « 4 » بمن لم يكن ؟ ! أو يستظهر من تقدّس عن الذل بمن دخل تحت ذلّ التكوين ؟ ! ثم كلّفهم معرفته ، وجعل علم العالمين بعجزهم عن إدراكه إدراكا لهم ، ومعرفة العارفين بتقصيرهم عن شكره شكرا لهم ، كما جعل إقرار المقرّين بوقوف عقولهم عن الإحاطة بحقيقته إيمانا لهم ، لا يلزمه لم ، ولا يجاوزه أين ، ولا يلاصقه حيث ، ولا يحدّه ما ، ولا يعدّه كم ، ولا يحصره متى ، ولا يحيط به كيف ، ولا يناله أيّ ، ولا يظلّه فوق ، ولا يقلّه تحت ، ولا يقابله حدّ ، ولا يزاحمه ندّ « 5 » ، ولا يأخذه خلف ، ولا يحدّه أمام ، ولم يظهره قبل ، ولم يعيّنه بعد ، ولم يجمعه كل ، ولم يوجده كان ، ولم يفقده ليس . وصفه لا صفة له ، وكونه لا أمد له ، ولا تخالطه الأشكال والصور ، ولا تغيّره الأيام والغير « 6 » ، ولا تجوز عليه المماسة والمقاربة ، وتستحيل عليه المحاذاة والمقابلة . إن قلت لم كان ؟ فقد سبق العلل ذاته ، ومن كان معلولا ، كان له
--> ( 1 ) أي خالق القديم والحديث . ( 2 ) ومعنى سارب بالنهار : أي ( 3 ) ظهير : معين . ( 4 ) أي اللّه تعالى . ( 5 ) الند : الشبيه والمثيل ، وفي ( ط ) : ولا يزاحمه عند . ( 6 ) الغير : الأحداث .