محمد بن وليد الطرطوشي
329
سراج الملوك
حتى تغيرت عليه نفوس الخلق ، وتنكرت له وجود الورى ، فلما بلغ الأمين ، حبسه ثم أطلقه ، بعد أن أخذ عليه ، أن لا يشرب خمرا ، ولا يقول فيه شعرا . فمتى أراد السلطان إصلاح رعيته ، وهو متماد على سيئ أخلاقه ، كان كمن أراد بقاء الجسد مع فقد رأسه ، أو أراد استقامة الجسم مع عدم حياته ، وكمن أراد تقويم الضلع مع اعوجاج الشخص ، وكيف يحيا النون « 1 » مع فساد الماء . ولقد أصاب الخليل « 2 » في قوله : اصلح نفسك لنفسك يكون الناس تبعا لك . وقديما قيل : من أصلح نفسه أرغم أنف أعدائه ، ومن أعمل جدّه بلغ كنه أمانيه . وسئل بعض الحكماء : بم ينتقم الإنسان من عدوه ؟ فقال : بإصلاح نفسه . ولأبى الفتح البستي « 3 » : إذا غدا ملك باللّهو مشتغلا * فاحكم على ملكه بالويل والحرب « 4 » أما ترى الشمس في الميزان هابطة * لما غدا وهو برج اللهو والطرب « 5 » وصحبة الأشرار تورث الشر ، كالريح إذا مرت على النّتن حملت نتنا ، وإذا مرت على الطّيب حملت طيبا ، كقول الشاعر « 6 » : لا تشرب الرّاح مع من لا خلاق له * واختر لنفسك حرّا طيب السّلف فالرّاح كالرّيح إن مرّت على عطر * طابت ، وتخبث إن مرّت على الجيف فمحال استصلاح رعيتك وأنت فاسد ، وإرشادهم وأنت غاو ، وهدايتهم وأنت ضال . وقد سبق المثل : ( ومن العجائب أعمش كحّال ) « 7 » وتقول العرب : يا طبيب طبّ نفسك ) .
--> ( 1 ) النون : الحوت وقد لقب يونس عليه السلام بذى النون لأن الحوت ابتلعه ثم رماه على الشاطئ كما هو معروف في قصته عليه السلام . ( 2 ) الخليل بن أحمد : أشهر علماء اللغة وواضع علم العروض ، من أهل البصرة ، معلم سيبويه والأصمعي توفى نحو 170 ه ( 3 ) أبو الفتح البستي : كان شاعر عصره وقد سبقت ترجمته . ( 4 ) الحرب : الويل والهلاك . ( 5 ) الميزان : أحد أبراج السماء وهي اثنا عشر برجا منها الميزان ، ويقال : استقام ميزان النهار أي انتصف . ( 6 ) سقطت هذه الأبيات من ( ط ) . ( 7 ) الأعمش : من ضعف بصره مع سيلان دمعه في أكثر الأوقات .