محمد بن وليد الطرطوشي

315

سراج الملوك

ويطرح القذى عن ثوبيه ، ليس له همّة بين الجلساء إلا نظره إلى نفسه ، وإصلاح ما انثنى من ثيابه ، فألحقه في عالم الطواويس الذي هذه صفته ، فإنه يتبختر في مشيته ، وينظر إلى نفسه ، ويفرش ذنبه فيتّخذه الملوك استحسانا له . وإذا بليت بإنسان حقود لا ينسى الهفوات ، ويجازى بعد المدّة على السّقطات ، فألحقه بعالم الجمال ، والعرب تقول : ( فلان أحقد من جمل وتجنب قرب الجمل الحقود ) ، فاجتنب صحبة الرّجل الحقود . وإذا بليت بإنسان منافق ، يبطن خلاف ما يظهر ، فألحقه بعالم اليربوع ، فإن اليربوع - وهو فأر يكون في البرية - يتخذ جحرا تحت الأرض ، يقال له ( النّافقاء ) ، وله فوّهتان ، يدخل من إحداهما ويخرج من الأخرى ، ومنه اشتق اسم المنافق ، فإذا همّ أحد بأخذه دخل جحره وخرج من الباب الآخر ، فيحفر الصيّاد خلفه فلا يظفر بشئ ، كذلك حال المنافق لا يصحّ منه شيء . وعلى هذا النّمط كن في صحبة الناس ، تستريح منهم وتريحهم منك ، فلعمرو الله ما استقامت لي صحبة الناس ، وسكنت نفسي واستراحت من مكابدة أخلاقهم ، إلا من حيث سرت معهم بهذه السيرة . وقال الرّياحى « 1 » : يا بنى رياح : لا تحقروا صغيرا تأخذون عنه ، فإني أخذت من الثعلب روغانه ، ومن القرد مكايده ، ومن السّنور ضرعه « 2 » ، ومن الكلب نصرته ، ومن ابن آوى حذره ، وقد تعلّمت من القمر مشى الليل ، ومن الشمس الظهور في الحين بعد الحين . * * *

--> ( 1 ) الرّياحى : خالد بن عتّاب بن ورقاء الرياحي ، شجاع من الأبطال ، حارب الخوارج في جيش الحجاج ، فقتل أخا شبيب الخارجي وغزالة الخارجية ، فالتحم معه أصحاب شبيب ، فانهزم والقى نفسه مع فرسه في دجلة فغرق ، فقال شبيب : قاتله الله ، هذا أشد الناس وذلك سنة 77 ه ( الأعلام 2 / 297 ) . ( 2 ) التضرع : التذلل في ضعف أو روغان .